بشارة جرجس

الرئيس الـ12 أمام معضلة السلاح: هل يكسر جوزاف عون لعنة شهاب؟

3 دقائق للقراءة

هل تنتهي جمهورية الوقوف جانباً؟

وثيقتان باتتا تتنازعان حقّ الحكم في لبنان: واحدة وقّعتها الدولة اللبنانية، وأخرى وقّعتها إيران. و"حزب الله" قال للبنانيين، بلا مواربة، أيّ وثيقة يطيع.

العجز عن إسقاط إطار واشنطن في الخارج يدفع الحزب إلى استثمار آخر رصيد يملكه في الداخل: تردّد الدولة اللبنانية. النائب حسن فضل الله يهدّد بحرب داخلية، ورئيس مجلس النواب نبيه برّي يصف اتفاقاً وقّعته الدولة بأنه تحريض على الفتنة، فيما المنطق نفسه سبق أن حوّل مهلة آب لنزع السلاح إلى خطة متدرجة إلى حدّ أن "حزب الله" نفسه رحّب بها.

هذا التردّد ليس تفصيلاً عابراً. له نسب سياسي يمتدّ على عقود الجمهورية. في 1958، أبقى قائد الجيش فؤاد شهاب المؤسسة العسكرية خارج المواجهة المسلحة حول عهد كميل شمعون، فكافأه النظام برئاسة الجمهورية. في 1969، أرسلت دولة شارل حلو قائد الجيش إميل البستاني إلى القاهرة ليوقّع على شرعنة الوجود الفلسطيني المسلّح الذي لم تجرؤ الدولة على مواجهته. في 1973، ضرب سليمان فرنجية المخيمات ثم توقّف في منتصف الطريق. في 1975، أبقى رشيد كرامي الجيش في الثكنات بينما كانت الحرب تلتهم الدولة، وفي 1976 استدعت الطبقة السياسية سوريا لتقوم بالمهمة التي لم تجرؤ هي على القيام بها؛ فبقي “الضيف” تسعة وعشرين عاماً.

أمين الجميّل وقّع اتفاق 17 أيار عام 1983، ثم دفنه عام 1984. الطائف وعد عام 1989 بتسليم كل الميليشيات سلاحها؛ كل الميليشيات اللبنانية سلّمت، إلا واحدة: "حزب الله". إميل لحود أعاد بناء جيش ما بعد الحرب على قاعدة التعايش مع السلاح الوحيد الذي تُرك خارج الطائف، فانتقل إلى بعبدا عام 1998؛ وعندما طالب القرار 1559 بنزع السلاح عام 2004، تعامل عهده الممدّد مع القرار كأنه عدوان، ومع السلاح كأنه ضمانة.

ونبيه برّي نفسه، الذي يحذّر اليوم من الفتنة، هو من جمع طاولة الحوار عام 2006 ووضع سلاح "حزب الله" تحت عنوان "الاستراتيجية الدفاعية"، ثم لم يخرجه أحد من هناك. وفي أيار 2008، حين اتخذت الحكومة قرارين ضد شبكة "حزب الله"، احتل الحزب بيروت الغربية، وقف الجيش جانباً، سُحبت القرارات، كافأ اتفاق الدوحة الانقلاب بالثلث المعطّل، وصار القائد الذي وقف جانباً، ميشال سليمان، رئيساً للجمهورية.

أما ميشال عون، القائد الوحيد الذي قاتل لمرحلة قصيرة، فوقّع تفاهم مار مخايل مع "حزب الله" عام 2006، وقبض ثمنه رئاسةً عام 2016 بعدما أبقى الحزب بعبدا شاغرة تسعة وعشرين شهراً إلى أن دفعت الجمهورية السعر المطلوب؛ ثم أمضى ست سنوات يصف السلاح بأنه مكمّل للجيش.

خمسة قادة جيش وصلوا إلى رئاسة الجمهورية: فؤاد شهاب، إميل لحود، ميشال سليمان، ميشال عون، واليوم جوزاف عون. الأربعة الأوائل وصلوا إلى بعبدا إمّا بالوقوف جانباً، أو بالبناء حول السلاح، أو بالتوقيع معه. على مدى سبعة عقود، جعلت الجمهورية أعلى مناصبها مكافأة للتكيّف مع الأمر الواقع، وبنى "حزب الله" حق النقض على هذا الحافز بالذات.

إطار واشنطن هو أول وثيقة تضع ثمناً موثقاً للعكس: لا نزع سلاح، لا انسحاب إسرائيلي، ولا أموال إعادة إعمار. المناطق التجريبية أُخليت قبل التوقيع، لذلك فإن أوامر الانتشار المقبلة لن تقيس قدرة الجيش، بل إرادة القرار.

وهنا السؤال الذي يختصر سبعين عاماً من تاريخ الجمهورية: هل يضع جوزاف عون نهاية للمسار الذي بدأه فؤاد شهاب عام 1958، أم يصبح الرجل الـ12 الذي يمدّد السلسلة نفسها؟