عند منعطف خطير تقف منطقة النبطية اليوم، بين النزوح والبقاء. نسبة قليلة من سكان القرى عادت، فالخوف من احتمالية تجدّد الحرب ترك هاجسه على الناس، أو كما قال العم علي:
«الأثر النفسي الكبير أثّر على قرار العودة».
تفتقد قرى المنطقة لمقومات الحياة، لا تزال المياه والكهرباء غائبتين، في حين بدأت خدمة الإنترنت تتحسّن تدريجيًا.
لم تخرج منطقة النبطية من أتون الحرب، تداعياتها حاضرة في كل مكان. يرسم الدمار مشهد اللاعودة. كثيرة هي القرى التي وُسِمت بأنها «منكوبة». من النبطية التي دمّرت الغارات كل تفاصيل الحياة فيها، حتى المصرف المركزي لم يسلم منها، نحو شوكين الجريحة، في حين تقف ميفذون عند خط الوجع الكبير. من مدخلها تبدأ قصة الحرب. يقول محمود، أحد سكان البلدة:
«الحرب كانت بين شوكين وميفذون والقوات الإسرائيلية، فعدد الغارات التي سقطت على البلدتين كبير جدًا».
تمضي في طريق البحث عن الحياة بين ركام البلدة، لا مشهد غير الدمار الذي طبع الطريق الرئيسي نحو ساحتها. بيوت حجرية عتيقة، مبانٍ سكنية، محال تجارية ومحطات محروقات، حتى الجوامع والحسينيات نالت نصيبها من الدمار.
يقول أبناء البلدة إن «معركة إسرائيل في ميفذون، كما كل القرى، كانت معركة على الهوية، إذ قتلت كل الذاكرة التراثية والمجتمعية وحتى الدينية».
لم يعد أحد من أبناء ميفذون بعد، ومن عاد في بداية الهدنة، عادت الغارات التي طالتها قبل أسبوع لتدفع به نحو النزوح.
«الوضع غير آمن هنا، المحلّقات ترابط فوق الرؤوس، وتلقي بقنابل صوتية على كل من تسوّل له نفسه فكرة البقاء».
تشرف ميفذون مباشرة على بلدة زوطر الشرقية، ومن مشاعها تطل عليك زوطر الغربية التي وُضعت ضمن المناطق التجريبية.
هذه البلدة لا وجود للإسرائيلي داخلها، وتتركّز حركة آلياته عند أطراف زوطر الشرقية، التي تشرف بدورها على بلدتي يحمر وأرنون حيث قلعة الشقيف.
في آخر طريق ميفذون، يجلس أبو محمد تركية تحت إحدى الشجرات، يحمل بيده كيسًا بداخله قنينة مياه وخبز وبعض الطعام. حمله معه في طريق رحلته الخطرة نحو زوطر الغربية. سلك تركية طريق مشاع ميفذون المطل على كنيسة زوطر الغربية، ووصل عند آخر نقطة طريق معبّدة، فيما جُرفت بقية الطريق بالآليات الإسرائيلية أثناء محاولتها التقدّم نحو ميفذون في الأسابيع الأخيرة من الحرب.
يقترب أبو محمد من بلدته زوطر الغربية:
«اشتقت لضيعتي، أربعة أشهر بعيد عنها، تعبت من النزوح».
تكفي كلماته لتُظهر حجم العشق الذي يربطه بزوطر. لا يُخفي أن مشواره محفوف بالمخاطر:
«بعرف إنو الطريق خطر، بس اشتقت نام ببيتي».
لا يُكمل كلمته حتى تقترب محلّقة إسرائيلية منه، ثم تقترب أكثر، فتجبره على الرحيل.
«يمّمت نظري ببيتي، لا يزال صامدًا، سأعود. في أيام الحرب قصدت زوطر، مررت من جهة القعقعية، وصلت، لكنني عدت أدراجي بسبب اشتداد الخطر».
لا تزال زوطر الغربية صامدة عند كتف نهر الليطاني. تعرّضت لعشرات الغارات طوال أيام العدوان، ودُمّرت كما دُمّرت جارتها زوطر الشرقية. دخل بعض الأهالي نحو زوطر، وفي المرة الأخيرة تعرّضت سيارة تقل أربعة مواطنين كانوا يقصدونها لغارة من مسيّرة، قضى ثلاثة منهم وبقي الرابع مصيره مجهولًا بانتظار إذن «الميكانيزم» للبحث عنه. دفع الأربعة حياتهم ثمن رؤيتهم لبلدتهم.
اليوم، الطريق نحو هاتين البلدتين مقفل، والجيش اللبناني يمنع أي مواطن من الاقتراب بسبب مخاطر الطريق.
انعدام الحياة في ميفذون لا ينسحب على بلدة قعقعية الجسر، الواقعة عند كتف النهر قبالة بلدتي فرون وزوطر الغربية. هذا الموقع لم يمنع أبناء البلدة من العودة، إذ عاد نحو 80 في المئة منهم، وبدأت المحال التجارية تستعيد جزءًا من نشاطها ولو «عالبطيء».
أكثر المحال انتعاشًا تلك المتعلقة بعدّة إصلاح المنازل المتضرّرة: نايلون لسدّ الشبابيك، وأقفال لإصلاح الأبواب المخلعة بفعل عصف الغارات. عدا ذلك، المصالح متوقفة باستثناء ما يتعلّق بالطعام.
أمام محله لبيع الخضروات، يقف العم علي ينفض الركام من داخله. أطلق ورشة تنظيف، منزله دُمّر ومحاله تضرّرت، لكنه يجزم أن:
«الحياة عادت لتدبّ في البلدة من جديد، رغم المخاطر المحدقة بها، فهي تقع عند تخوم الخطر، ولا يبعد وادي الحجير كثيرًا عنها».
داخل منزلها الصغير، ترفع الحاجة فاطمة قرنبش آثار الدمار من حقلها ومنزلها، وتستعد لزراعة حقلها لموسم الصيف. لم تغادر بلدتَها إلا مع اشتداد الوضع:
«نحن خرجنا وقُصف المنزل الذي أمامنا، الله نجّانا».
ترفض فكرة النزوح مجددًا، وعادت لتبقى بحسب قولها:
«الحياة على الركام تساوي ألف مرة الحياة في النزوح، رائحة الجنوب مختلفة».
تدبّ الحياة في قعقعية الجسر وتستعيد عافيتها، غير أنها تراقب التطورات بحذر. فمن عاد يواجه تحديات البقاء في ظل انعدام مقومات الحياة، إلا أنهم يجزمون أن العودة نهائية، وينتظرون عودة الحياة إلى كل القرى.