السينما العراقية تبحث عن نهضتها

4 دقائق للقراءة

بدأ صناع أفلام عراقيون يحيون قطاع السينما في بلدهم بجهود فردية، تعزز زخمها العام الماضي مع فوز فيلم "مملكة القصب" للمخرج حسن هادي بجائزة في "مهرجان كان السينمائي". غير أنّ هؤلاء لا يزالون يواجهون نقصًا في التمويل والدعم.

ورغم الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، ينهمك المخرج علي البياتي وطاقمه في تهيئة موقع تصوير فيلم رعب مرتقب عرضه قريبًا في الصالات. ويقول البياتي لـ "وكالة الصحافة الفرنسية" إنه يصنع فيلمه "بنمط عالمي" لكي يسوّقه عربيًّا وأوروبيًّا وأميركيًّا، معتبرا أنّ "الفن السابع" في العراق "ليس سهلا، لكنه كذلك ليس مستحيلا". فالسينمائي العراقي مضطرّ إلى إنتاج أفلامه بنفسه، بسبب "غياب رؤوس الأموال (...) وشركات التوزيع" جرّاء "هوّة كبيرة صارت بين العراق والعالم الخارجي" خلال العقود الأربعة الأخيرة.

البلد الذي يشهد في السنوات الأخيرة استقرارًا نسبيًّا أعاد إلى سكانه المنهكين الاهتمام بالترفيه والثقافة والسينما. علمًا أنّ الانطلاقة الفعلية للسينما العراقية تعود إلى أربعينات القرن الماضي، حين كانت الأفلام تُعرض في صالات دُمّر بعضها خلال النزاعات أو تحوّل لاحقا إلى مخازن. وفي السنوات الأخيرة، افتُتحت صالات سينما حصرًا داخل مراكز تجارية، تعرض خصوصًا أفلامًا هوليوودية ومصرية، فيما تبقى الأفلام العراقية قليلة الحضور.

المخرج السوري عبد الهادي الركب، الذي أنجز فيلمًا وثائقيًّا عن تاريخ صالات السينما في العراق منذ مطلع القرن العشرين، يرى أنّ تراجع عدد الصالات أدى تدريجًا إلى "انعدام ثقافة مشاهدة الأفلام في الصالات، وبالتالي تراجع فكرة صناعة الفيلم" في العراق.

لكن بغداد أطلقت العام الماضي، وللمرة الأولى في تاريخ السينما العراقية، مبادرة رُصد لها نحو خمسة مليارات دينار، (حوالى أربعة ملايين دولار)، لدعم 58 مشروعًا بين أفلام قصيرة وطويلة، بينها مشروع البياتي. غير أنّ "مبلغ أربعة ملايين دولار لا شيء"، إذ قد يُخصَّص بالكامل لمشروع واحد في دول أخرى، وفق وارث كويش، العضو في اللجنة العليا لـ "مبادرة دعم السينما"، والذي يأمل أن تصبح المبادرة سنوية وأن تحظى بدعم من القطاع الخاص، وأن تكون هناك "مظلّة شرعية وقانونية تضع معايير واضحة لصناعة السينما في العراق".

ويدير كويش، الذي درس السينما بين بغداد وباريس، "سينماتيك العراق" ضمن "المركز الوطني للأرشيف والذاكرة العراقية" الذي تأسس العام الماضي. ويهدف المشروع الممتدّ لعامَين بدعم فرنسي، والمقرّر أن ينتهي في تشرين الثاني المقبل، إلى الكشف على 104 أفلام سينمائية قديمة وتدريب فريق على ترميمها يدويًّا ورقمنتها، فيما "الأرشيف السينمائي العراقي أكبر من ذلك بكثير".

إشارةً إلى أنّ دولا عدّة تحتفظ بأفلام تطالب بغداد باستعادتها، وقد بدأ التعاون في هذا المجال مع فرنسا وروسيا وبريطانيا. في وقت وقّع العراق أخيرًا اتفاقات للتعاون السينمائي مع فرنسا، وبدأ يحجز لنفسه مساحة في المهرجانات العالمية، من بينها "مهرجان كان" حيث بات له في العامين الأخيرين جناح خاص. وقد فاز فيلم "مملكة القصب" (The President's Cake) للمخرج حسن هادي بجائزة "الكاميرا الذهبية" في مهرجان كان في أيار 2025، ليصبح أول فيلم عراقي ينال هذه الجائزة، وأول فيلم عراقي يتأهل للقائمة القصيرة لـ "الأوسكار". لكن إنجاز الفيلم في العراق ترافق مع صعوبات لوجستية وتقنية كبيرة، بحسب مخرجه الذي يوضح أنه استعان بطواقم أوروبية لدعم طاقمه العراقي، ما "شكّل تحديًا بحد ذاته، لأنّ الطاقم المحلي لم يكن يعرف المعايير الدولية، والطاقم الدوليّ لم يكن يعرف الطابع الثقافي المحلي للعراق". لكنه أراد رغم ذلك "خلق جسر" لتبادل المعارف.

ويرى خرّيج "جامعة نيويورك" أنّ "عدم فهم الحكومات" المتعاقبة لأهمية السينما ثقافيًّا واجتماعيًّا أوجد "ظروفًا تثني الكثيرين عن تنفيذ مشاريعهم داخل العراق (...) وتحديات غير ضرورية سبق للدول الأخرى أن تجاوزتها"، مشدّدًا على ضرورة "إقامة المزيد من ورش العمل للمواهب المحلية في العراق وتخصيص جزء من عائدات بيع تذاكر صالات السينما لدعم الصناعة"، إضافة إلى "إنشاء هيئة تنظّم كل هذه الأنشطة من دون التدخل في العملية الإبداعية". لكنه يؤكد في المقابل أنه سينفذ "مشاريع أخرى في العراق"، ويضيف أنّ "هناك مزيدًا من الأشخاص الذين يرغبون في سرد قصصهم وصنع الأفلام" عن العراق وعلى أرضه. (أ.ف.ب.)