جاد الاخوي

صيغة الإطار بين محاولات التشويه وفرصة الانتقال إلى الاستقرار

6 دقائق للقراءة

في وقت تتصاعد فيه حملات الاعتراض على "صيغة الإطار" ومحاولات تصويرها كأنها اتفاق استسلام أو معاهدة سلام نهائية، تؤكد مصادر سياسية مطلعة أن ما جرى في واشنطن يختلف جذريًا عما يتم الترويج له، مشيرة إلى أن لبنان يقف أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، مدعومة بضمانات أميركية وإقليمية، للانتقال من منطق الحرب الدائمة إلى منطق الاستقرار المستدام.

وتؤكد المصادر أن التوصيف الدقيق لما تم التوصل إليه هو “صيغة إطار” وليس اتفاقًا أو معاهدة، وبالتالي فهي لا تخضع في هذه المرحلة لآليات الإقرار الدستورية الخاصة بالاتفاقيات الدولية، لأنها تشكل خارطة طريق تحدد المبادئ العامة لمسار تفاوضي لاحق.

وبحسب المصادر، نجح لبنان خلال المفاوضات في انتزاع مجموعة من المبادئ التي تعتبر إنجازًا سياسيًا ودبلوماسيًا غير مسبوق، وفي مقدمتها انسحاب إسرائيلي على مراحل من الأراضي اللبنانية، ووقف الحرب، والانتقال من مرحلة الهدنة العسكرية التقليدية إلى مرحلة الاستقرار المستدام، بما يفتح الباب أمام عودة النازحين إلى قراهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، واستعادة الدولة اللبنانية احتكارها الشرعي للقوة والسلاح.

وتضيف المصادر أن الصيغة كرست كذلك مبدأ حق الدفاع عن النفس للدولتين، وتضمنت إشارة إلى عدم وجود أطماع إسرائيلية في لبنان، إلى جانب رعاية إقليمية ودولية للمسار بما يوفر الضمانات اللازمة لاستمراره ومنع العودة إلى دوامة المواجهات.

وتعتبر المصادر أن من يهاجم صيغة الإطار يتجاهل أنها تشكل الخطوة الأولى نحو التحرير الكامل بالوسائل السياسية والدبلوماسية، بعدما أثبتت عقود الحروب أنها لم تؤد إلا إلى مزيد من الدمار والخسائر البشرية والاقتصادية.

وتذهب بعض القراءات السياسية إلى القول إن تقييم أي تسوية لا يمكن فصله عن ميزان القوة والنتائج على الأرض. فلو افترضنا سيناريو معاكسًا تكون فيه المعادلة قد انتهت باحتلال لبنان لأجزاء من الجليل، لكانت القراءة السياسية والإقليمية مختلفة بالكامل. ومن هذا المنطلق، يرى مؤيدو صيغة الإطار أن ما تحقق للبنان، بعد سنوات طويلة من المواجهات وما رافقها من خسائر بشرية ومادية هائلة، يجب أن يُقاس بمعيار وقف الحرب، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار، وفتح مسار سياسي قد يتيح في مراحل لاحقة معالجة الملفات العالقة. بالنسبة لهؤلاء، فإن الخروج من دائرة الدمار المستمر بحد ذاته يُعد إنجازًا ينبغي الاعتراف به ضمن مقاربة واقعية لموازين القوى.

البند 13… تعليق لا تنازل

أما بشأن الجدل الدائر حول البند الثالث عشر، فتؤكد المصادر أن ما يتم تداوله يفتقد إلى الدقة القانونية. فالبند لا يتضمن تنازلًا عن حق لبنان في ملاحقة إسرائيل قانونيًا، ولا يمنع ذلك بصورة دائمة، بل ينص على تعليق بعض الإجراءات خلال فترة التفاوض، وهو إجراء متعارف عليه في العلاقات الدولية بين أطراف تجلس إلى طاولة المفاوضات.

وتشدد المصادر على أن هذا الالتزام متبادل، إذ يلتزم به الجانب الإسرائيلي كما يلتزم به لبنان، ولا يتضمن أي نص غير قابل للإلغاء أو أي تنازل دائم عن الحقوق.

وتلفت إلى أن هذه المقاربة تصب أيضًا في مصلحة لبنان، لأن القانون الدولي لا يمنح الحقوق فقط، بل يرتب مسؤوليات أيضًا، ومن بينها مسؤولية الدولة في بسط سلطتها الكاملة على أراضيها ومنع أي جماعات مسلحة خارجة عن الشرعية من تنفيذ أعمال عدائية ضد دولة مجاورة.

التزام الدولة ومسار الاستقرار

وتؤكد المصادر أن هناك التزاما للدولة تجاه الشعب اللبناني الذي دفع أثمانًا هائلة نتيجة عقود من الحروب والصراعات، بعدما خسر لبنان آلاف الشهداء، وتعرضت عشرات البلدات والقرى للدمار، وتكبد الاقتصاد خسائر بمليارات الدولارات، فضلًا عن الانهيار المالي والهجرة الواسعة.

وترى المصادر أن أي قراءة وطنية للمشهد يجب أن تنطلق من مصلحة اللبنانيين في إنهاء هذا المسار المدمر، لا في إعادة إنتاجه تحت عناوين أثبت الزمن محدودية نتائجها.

الملاحق الأمنية والتنسيق الدولي

وفي ما يتعلق بالملاحق الأمنية، توضح المصادر أن أي ترتيبات أمنية من هذا النوع تكتسب بطبيعتها صفة السرية (Confidential)، وهذا أمر معمول به في مختلف الاتفاقات الدولية، وليس مطلبًا لبنانيًا أو استثناءً خاصًا بهذه الصيغة.

وتضيف أن التنسيق في هذه المرحلة سيتم عبر الجانب الأميركي الذي يضطلع بدور الضامن والمسهل لتنفيذ المسار.

تقاطع المواقف الداخلية

وتكشف المصادر أن الجيش يبقى الخط الأحمر، كما أن الأطر الدستورية والقانونية ستظل المرجع الأساسي في كل المراحل المقبلة.

وتشدد المصادر على أن الحديث عن عرض صيغة الإطار على مجلس الوزراء أو مجلس النواب في هذه المرحلة لا يستند إلى أساس قانوني، لأنها ليست اتفاقًا نهائيًا ولا معاهدة ملزمة، بل إطارًا سياسيًا يرسم المبادئ العامة للمفاوضات المقبلة.

كما تشير إلى أن المقارنة مع اتفاق الهدنة ليست في محلها بالكامل، إذ إن كليهما يتضمن ترتيبات أمنية، لكن لكل منهما ظروفه التاريخية والسياسية المختلفة.

تماسك المؤسسة العسكرية

وفي مواجهة بعض محاولات بث الشائعات، تؤكد المصادر أن المؤسسة العسكرية أثبتت خلال كل المحطات الأخيرة تماسكًا كاملاً.

وتشير إلى أنه منذ اندلاع المواجهات لم تسجل أي حالة فرار داخل الجيش في الجنوب، بل قدم ضباطه وعناصره تضحيات مشتركة من مختلف الطوائف، واستشهد ضباط من ثلاث طوائف مختلفة في المهمة نفسها، بما يعكس وحدة المؤسسة الوطنية وصلابتها.

إعادة الإعمار ودور الدولة

وتختم المصادر بالتشديد على أن القرار السياسي بالسير في هذا المسار قد اتخذ.

وترى أن الطائفة الشيعية ستكون من أكبر المستفيدين من أي استقرار دائم، باعتبارها الأكثر تضررًا من الحروب الأخيرة، مع التأكيد على ضرورة الفصل بين مصالح أبناء الطائفة وبين الخيارات السياسية لأي حزب.

وتكشف المصادر أيضًا أن الموفد الأميركي موجود حاليًا في إسرائيل لاستكمال وضع هذا المسار على سكته التنفيذية، في إطار الجهود الرامية إلى تثبيت صيغة الإطار وتحويلها إلى مسار سياسي مستدام.

وتؤكد في الختام أن إعادة إعمار الجنوب والمناطق المتضررة لن تتم إلا عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، وضمن آليات شفافة ورسمية، بعيدًا عن النماذج التي اعتمدت في مراحل سابقة، معتبرة أن بناء الدولة يبدأ باحتكارها قرار الحرب والسلم، كما يبدأ باحتكارها مسؤولية الإعمار والتنمية.