كثُرَ الحديث في الآونة الأخيرة عن "اتفاق 17 أيار" بعد التوقيع على "اتفاق الإطار" في واشنطن بين لبنان وإسرائيل.. واعتبر "الثنائي الشيعي" أنّ الإتفاق وُلِدَ ميتاً، وسيسقط كما سقطَ "17 أيار"..!
كثيرٌ من اللبنانيين، لاسيما الذين دون سنّ الستين، لا يعرفون الظروف والأسباب التي أدّت إلى "اتفاق 17 أيار".
في 6 حزيران 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان لإنهاء الهجمات الصاروخية ل"منظمة التحرير الفلسطينية" التي كانت تَطال مستوطنات الجليل شمالي إسرائيل، ولإبعاد مقاتليها عن الحدود، وإنهاء الوجود السياسي والعسكري ل "المنظمة" في لبنان، وإلغاء دورها كقوّة مؤثِِّرة، وإخراج القوات السورية من لبنان، تمهيداً لتوقيع اتفاقية سلام مع لبنان...
تمكّنت القوات الإسرائيلية بخلال أسبوع من الوصول إلى طريق بيروت_دمشق ومنطقة بعبدا، ممّا أدّى إلى فرض حصار شامل ومُحكَم على بيروت الغربية استمرَّ لأسابيع.. وتلى ذلك انسحاب القوات الفلسطينية من لبنان وانتخاب الشيخ بشير الجميل رئيساً للجمهورية.. وبعد اغتياله في 14 أيلول 1982، انتخب المجلس النيابي شقيقه الشيخ أمين الجميل رئيساً للجمهورية، الذي وافق على اتفاق سلام مع إسرائيل شرط أن تنسحب كلياً من الأراضي اللبنانية... لذا شرعَ لبنان بمشاركة الولايات المتحدة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل إلى أن تمَّ التوقيع على الإتفاق في 17 أيار 1983، بعدما سبقَ ووافقَ مجلس الوزراء على محتوى الإتفاق، وبعدما أيّده المجلس النيابي بأغلبية 65 نائباً، وعارضه نائبان، وامتنع 4 نواب، وتغيّب 19 نائباً...
اشترطت إسرائيل خروج القوات السورية قبل تنفيذ انسحابها.. فعارضت سوريا الإتفاق (وكان 30 ألفًا من جيشها يحتلّ لبنان) واعتبرته يهدّد أمنها القومي، ونجحت في تحشيد القوى لإسقاطه، فقاطعت قوى يسارية وإسلامية الإتفاق (وأبرزهم "امل" و"الإشتراكي") واعتبرته تفريطاً في السيادة اللبنانية، ممّا أدخل البلاد في دوامة عنف حالت دون تنفيذه على أرض الواقع، فأُلغيَ رسمياً في 5 آذار 1984...
اليوم، وبعد 43 سنة على اتفاق "17أيار"، و21 سنة على خروج الجيش السوري من لبنان، تسعى إيران، التي حلّت فعلياً محلّ سوريا عبر "حزب الله"، إلى استعادة ورقة نفوذها برفضها "اتفاق الإطار" ومحاولة العودة إلى مندرجات التسوية الإيرانية_الأميركية.. فحشدت قوى إسلامية متطرفة مثل "اللقاء الوطني الإسلامي" وقوى سياسية بارزة مثل رئيس مجلس النواب نبيه بري.. الذين وصفوا "الإتفاق" بأنه أسوأ من "17 أيار" وسيلقى المصير نفسه.. أمّا الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي، حسب قوله، لا يسعى إلى إسقاط "اتفاق الإطار"، ولكنه يعارضه ويعتبره خطوة خاطئة، حيث أكّد صراحةً أنه لن يكون جزءاً من أيّ انقلاب سياسي يهدف لإسقاط "الإتفاق"، رغم أنه يرفض دعمه.. في الوقت ذاته أكّد التزامه بدعم المؤسسات الشرعية وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. (خِدلَك بقى)!!!
لذلك، لا تمتلك القوى المعارِضة القدرة الفعلية على إسقاط "اتفاق الإطار" كما فعلت في "اتفاق 17 أيار"، في ظل موازين القوى السياسية والوطنية الحالية في لبنان، إذ يحظى "اتفاق الإطار" بدعم وتغطية رسمية واسعة من أطراف السلطة التنفيذية والتشريعية المعنيّة، ويتمتّع برعاية دولية وإقليمية، وبدعم كبير من الأحزاب السيادية والشعب اللبناني (غير المتأيرن)، ممّا يجعل من إسقاطه محلياً أمراً شبه مستحيل...
أيها السادة "المُمانعين"،
"السيادة لا تتجزأ.. فالدولة التي تتنازل عن احتكار القوّة والسلاح، تتنازل بالضرورة عن كرامتها وقرارها الحرّ والمستقِلّ". فلبنان في عهد الرئيس جوزاف عون لن يقبل بأيّ أجندات أو وصايات خارجية، واتخذ قراراً قاطِعاً باسترجاع كل شبر من أرض الوطن، واستعادة سيادته الكاملة وقراره الوطني الحرّ، مهما كانت العوائق والصعوبات.
باحث وكاتب سياسي