استثمار العطلة الصيفية بطريقة مفيدة لأولادنا يتطلّب النظر باعتدال إليها، فلا تكون فترة استجمام وفوضى، ولا موسمًا دراسيًا ثانيًا يقطع أنفاس الأولاد ويحول دون عيشهم تجارب مختلفة ومتنوّعة. لذا وُجب توظيفها بشكل يوازي ما بين اللعب والحركة والأصدقاء من جهة والنشاطات الأكاديمية التي تعزز ما اكتُسب في خلال السنة الدراسية من جهة أخرى، إضافة إلى تحمّلهم مسؤوليات محدودة في المنزل تنميّ حسهم المسؤول.
فنسعى بذلك، وفق جويس القاعي اختصاصية في العلاج النفس- حركي ومدربة أسرية، إلى تنمية مهارات لا نركّز عليها في خلال السنة الدراسية، كالثقة بالنفس والاستقلالية والتواصل والحركة والإبداع والرسم والأنشطة الفنية والرياضية، لتنمية فكرهم النقدي في حلّ المشكلات بأسلوب يختلف عن الطريقة الأكاديمية داعية إلى عدم التوّهم من وقت الفراغ والملل، والسعي لإشغالهم طيلة النهار من دون الإفساح في المجال أمام مساحة حرّة ممّلة تحثّهم على التفكير والاختراع والبحث عن حلول للتسلية، فتساهم بطريقة غير مباشرة في تطوير خيالهم وقدرتهم على حل المشكلات والتنظيم العاطفي والاعتماد على أنفسهم لملء الفراغ.
وتوضح القاعي كيفية اختيار الأنشطة الصيفية وفق ما يناسب سنّ الطفل واهتماماته الشخصية ورغباته ليكون فرحًا ومرتاحًا ومتحمسًّا، والتنويع ما بين النشاطات الرياضية والحركية والإبداعية كالرسم والموسيقى لتنمية مهاراته وقدراته إضافة إلى النشاطات الاجتماعية والاختلاط بأطفال آخرين لتنمية مهاراته التواصلية بعيدًا من الشاشة. وكذلك تخصيص وقت للنشاطات الذهنية من خلال دروس العطلة الصيفية أو من خلال الألعاب التربوية والمطالعة".
وترى القاعي أنه يمكن تحقيق هذا التوازن عند اقتناع الأهل بأن الأولاد لا يحتاجون دائمًا إلى ورقة وقلم للتعلّم، بل يمكنهم تحقيق ذلك عبر اللعب وتنظيم غرفهم وألعابهم وتوضيب سريرهم والرسم والتلوين. فيمكن أن يتحوّل أي نشاط بغض النظر عن ماهيته إلى فرصة تعليمية تنمّي قدراتهم ومهاراتهم اليومية مع المحافظة على روتين صباحي هادئ وبسيط من أجل تعزيز مهاراتهم الأكاديمية المكتسبة.
وعن أهمية المهارات الاجتماعية التي يكتسبها الأولاد في المخيّمات الصيفية تقول:" تفسح العطلة الصيفية في المجال أمام تنمية مهاراتهم العلائقية خارج إطار الصف والمقاعد الدراسية وبعيدًا من دور المعلّمات في تنظيم العلاقات، حيث يشاركون أفرادًا آخرين بالنشاطات الجماعية ما ينميّ مهاراتهم في الاصغاء والطلب واحترام الآخر والطلب والتعاون وانتظار الدور والمطالبة بحقوقهم عند الشعور بالظلم وحلّ المشكلات، وهي مهارات لا تُكتسب بالنصائح بل بالتجارب".
وفي حال لم يتمكّن الأهل من تسجيل أطفالهم في مخيمات صيفية، تقول: "يمكن الاستفادة أيضًا واستثمار الوقت بطريقة إيجابية من خلال اشراكهم بالواجبات المنزلية بما يناسب سنّهم وقدراتهم، كتوضيب أغراضهم وألعابهم وسريرهم والمساعدة في تحضير سفرة الطعام ومكافأتهم على محاولاتهم بغض النظر عن النتيجة. كما يمكنهم استخدام بعض الأغراض المنزلية لابتكار ألعاب والرسم وممارسة الاشغال اليدوية والمطالعة كما يمكنهم اللعب بالمكعبّات وغيرها وتنظيم وقتهم بأنفسهم لئلا يشعروا بالضغط والملل".
وعن كيفية اختيار النشاطات، تقول:" يجب النظر أولاً ما إذا كانت مناسبة لسنّ الطفل وقدراته واهتمامه ولا تضعه في موقع الفشل أو الضغط. وعلى رغم أن النشاطات الرياضية والفنية المتعارف عليها مفيدة فعلاً، هناك أنشطة بسيطة يمكن ممارستها أيضًا كالمشي في الطبيعة واللعب في الحديقة، واللعب مع أطفال آخرين بعيدًا من الشاشة ومن الانعزال في المنزل. وهناك أيضًا الأنشطة الفنية كالموسيقى والمسرح والأشغال اليدوية، التي تساعد على التعبير عن الذات والمشاعر بطريقة مفيدة وبنّاءة وتساهم في تنمية خياله وابداعه بطريقة مسلية ومريحة بعيدًا أيضًا من الشاشة."
ولكنّ النشاطات المرتبطة بالتكنولوجيا رائجة، أليست مهمّة أيضًا، تجيب" طالما أننا نعيش في عصر التكنولوجيا التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا وحياة أطفالنا ومستقبلهم، يجب أن يتعلّموا كيفية استخدامها وتوظيفها بطريقة واعية ومناسبة لعمرهم تحت إشراف الأهل. أي تحديد وقت الشاشة لئلا يلغي الوقت المخصص للحركة والنشاطات الاجتماعية والنوم والراحة. ويكون الاستخدام فعّالاً وايجابيًا يرتكز على اكتساب مهارات البرمجة والتصميم والبحث وانشاء المشاريع الفنية بدلاً من مشاهدة فيديوهات عشوائية وألعاب غير مناسبة."
أمّا بالنسبة إلى البرنامج الصيفي الأفضل، فتنصح القاعي الأهل بعدم البحث عن البرنامج المثالي لأنه غير متوافر في الحقيقة، بل الانطلاق من برنامج بسيط وواقعي يلائم متطلّبات العائلة ويناسب سنّ الأولاد واهتماماتهم من ضمن الميزانية المحددة من قبل الأهل وقدرتهم على توظيف وقت أولادهم بتنوّع من دون عبء وضغوط، والأهم عدم مقارنة عطلتهم الصيفية بعطلة الآخرين لأن الأساس يبقى شعور الطفل بأمان وبعلاقته الجيّدة مع عائلته فتكون لديه فرصة لتنمية قدراته واكتشاف ذاته ليقضي عطلة مفيدة بغض النظر عن ماهية نشاطاته.
خطوات للحد من الشاشة في العطلة - عدم التعامل مع الشاشة كأنها عدو، لأن كل ما هو ممنوع مرغوب وبالتالي يعزز رفضنا أهميتها عند الطفل ليطالب بها أكثر ويستخدمها سرًّا بشكل مفرط. - يجب وضع قواعد واضحة لاستهلاك الشاشة أي تحديد توقيت الاستخدام، المدّة، المحتوى المسموح. - اطلاع الطفل على العواقب المحتملة في حال عدم الالتزام بتلك القواعد تعلّم هذه الخطوات الطفل احترام النظام والقانون وإلا خسر حقّه بالحصول على الشاشة، التي يجب ألا تكون حلاً للملل. يجب توفير بدائل مساعدة لمحاربتها والتحكّم بها كالألعاب والكتب وأدوات الرسم والمشاريع المحضّرة مسبقًا. والأهم، يجب أن يكون الأهل نموذجًا أساسيًا للأولاد، أي عدم استهلاك الشاشة بشكل مفرط أمامهم ومطالبتهم في الوقت نفسه الحدّ من استهلاكها. إلى ذلك نشدد على أهمية تمضية وقت ممتع ونوعيّ بين الأهل والأولاد والاستفادة معًا من العطلة . |