الأب أثناسيوس شهوان

زكي ناصيف: لبنان أولًا

4 دقائق للقراءة
"أمسية زكي ناصيف 110" (صورة متداولة على وسائل التواصل الإجتماعي تاريخ: 4 تموز 2026)

ارتفعت، ليلة السبت 4 تموز 2026، على مدرّج بلدة زوق مكايل، الأعلام اللبنانية في حفل تكريم الفنان اللبناني الكبير، ابن مشغرة، زكي ناصيف، لتُطلق رسالةً مدوّية في وجه صنّاع الموت في وطني الجريح: كفى.

نعم، كفى.

كفى ارتهانًا للخارج.
كفى رفع أعلام غير لبنانية فوق أرض لبنان.
كفى تبعيةً للغريب، أيًّا كان، ولأي جهة كانت.
كفى خرابًا وتدميرًا وقتلًا يُرتكب تنفيذًا لأوامر خارجية.
كفى ولاءً لدول أخرى تحت أي ذريعة أو شعا أو معتقد.

لقد حان الأوان ليعيش في لبنان من يريده وطنًا نهائيًا، مستقلًا، سيدًا حرًّا. وحان الأوان أيضًا أن يحسم من يريد لبنان وطنًا مرتهنًا خياره: إما أن يكون لبنانيًا كامل الانتماء، وإما أن يرحل إلى حيث يرى وطنه الحقيقي، لأن من لا يحترم الهوية اللبنانية لا يستحق أن يحملها.

فلا يحق لأحد، كائنًا من كان، أن يدمّر لبنان ويتباهى، أو أن يفسده ثم يفتخر ويبرّر بما اقترفت يداه.
ثقافة الحياة وثقافة الموت لا تلتقيان، كما أن ثقافة الوطنية وثقافة الارتهان للخارج لا تجتمعان.

ولم يعد مقبولًا، بأي حال، أن يعلن أحد في لبنان أن سلاحه وعتاده وماله تأتيه من دولة أجنبية، ثم ينصّب نفسه وصيًا على المواطنين، ويقود الوطن إلى حيث تملي عليه عقيدته أو مصالح داعميه.

ولم يعد مقبولًا أيضًا أن يُستقبل أي مسؤول أو وزير من دولة غير لبنانية بحفاوة وانتماء يفوقان حفاوة الانتماء للبنان، وكأن الرسالة الموجّهة إليه تقول: أنت بين أهلك، وهذه الأرض تتمنى أن تصبح جزءًا من وطنك.

الوطنية اعتزاز وكرامة، أما الانتماء لغير الوطن فلا يجلب إلا الارتهان، ولا تكون عاقبته إلا الدمار والخراب.

ولا توجد عمالة مقبولة وأخرى مرفوضة، أو، كما يقول المثل الشعبي اللبناني: "عمالة بسمنة وعمالة بزيت". فالمفاضلة في الخيانة باطلة جملةً وتفصيلًا، لأن العمالة، أيًّا كان مصدرها أو مبررها، مخالفة للدستور، وتعني في جوهرها خيانة الوطن.

ويبقى الأمل في أن بين أبناء جميع الطوائف من يؤمن بلبنان وطنًا نهائيًا، حرًّا، مستقلًا، كما أن بين جميع الطوائف أيضًا من لا يزال يبتغي نقيض ذلك. لذلك تبقى القضية قضية خيار وطني، لا قضية طائفة.

فالناس ليسوا أرقامًا أو أعدادًا، بل هم خليقة الله، خُلقوا ليحيوا حياةً كريمة، ويسهموا في تطوير مجتمعهم ووطنهم.

أمّا التذرّع بأن للآخرين أطماعًا في وطننا، فلا يبرّر احتلالًا آخر؛ إذ لا فرق بين احتلال وآخر. وخيرُ رادعٍ في وجه أي طامع هو التماسك الداخلي، في ظل رئاسة جمهورية شرعية واحدة حازمة، وحكومة واحدة تعمل بكل جديّة والتزام لمصلحة الوطن. وتقتضي الحكمة ألّا نعطي الغريب ذرائع تمكّنه من تحقيق مآربه. لذلك، يجب أن تكون العقلانية سيّدة الموقف.

وفي الخلاصة، يهمس إلينا زكي ناصيف، الغائب بجسده، الحاضر بفنه وألحانه الخالدة: "راجع، راجع يتعمّر لبنان". ولن يتعمّر لبنان إلا إذا آمن به أبناؤه، وأخلصوا له، ووفوا له، وعملوا من أجله، وانتموا إليه وحده، ورفعوا علمه وحده، وأنشدوا نشيده، وربّوا أبناءهم منذ نعومة أظفارهم على محبته.

عندها فقط، ستنتقي الفراشة أجمل زهرة من رحاب لبنان، ولن يبقى لغراب الموت الأسود مكان يحلّق فيه فوق ركام البيوت المهدّمة، متلذذًا بمشهد الجثث والخراب.

فنحن عشّاق الورود، ولسنا عشّاق البارود. ونؤمن مع فناننا الكبير زكي ناصيف بقوله: "مهما يتجرّح بلدنا منلّمو لو كنّا قلال، وقلال ولكن ما تعودنا نبكي ونندب عالأطلال... وما إلنا إلّا مروّتنا، المروّة بتخلق أبطال".

ونردّد معه أيضًا: "بلدنا غنّى المحبّة تا صارت موالو، صارت تنمى حبّة حبّة وتكبر مع أطفالو، والمحبّة ما إلها مطرح بالقلب يلي ما بيعرف يفرح".

إلى الرب نطلب.