حين كتبنا قبل أسابيع مقالنا بعنوان "حين يُسرق جبران ورفاقه من لبنان"، لم يكن اعتراضنا محصورًا بذكر أسماء جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وغيرهم على أنهم شعراء سوريون، بل كان اعتراضًا على منهج كامل في إعادة صياغة التاريخ، يبدأ بخطأ في لوحة، وقد ينتهي بتغيير في الذاكرة الجماعية.
وقد أثبتت الوقائع صحة هذا الاعتراض. فبعد الحملة الإعلامية والاعتراضات الواسعة، استُبدلت اللوحة الخاطئة بأخرى جديدة، أُعيد فيها تصحيح انتماء الأدباء بحسب أصولهم. غير أن الجهة المنظّمة نشرت في المقابل تفسيرًا جديدًا للنص بتاريخ 5/7/2026، معتبرة أن المقارنة بين اللوحتين تعكس انتقالًا من مفهوم "سوريا الكبرى" إلى مفهوم "الدول الحديثة"، ونشرت مقارنة تفصيلية بين النصين عبر الرابط التالي:
https://washingtonstreet.group/al-qalam-sign-diff/
ورغم أن تصحيح اللوحة يُعد خطوة إيجابية، فإن القراءة الجديدة ما تزال تطرح إشكاليات تاريخية ومنهجية لا يمكن تجاهلها.
ففي كتابة التاريخ، لا يكفي تصحيح الأسماء إذا بقي تفسير الوقائع قائمًا على إسقاطات أيديولوجية لاحقة. وقد حذر مؤسس مدرسة الحوليات، المؤرخ الفرنسي مارك بلوخ، من هذا المنهج حين قال:
"أسوأ خطأ يرتكبه المؤرخ هو إسقاط الحاضر على الماضي".
وهذا بالضبط ما يحصل عندما تُفسَّر هوية شخصيات عاشت في القرن التاسع عشر بمفاهيم سياسية لم تتبلور إلا بعد عقود.
ففي تلك المرحلة، لم يهاجر جبران خليل جبران، ولا ميخائيل نعيمة، ولا أمين الريحاني، ولا غيرهم، من كيان سياسي اسمه "سوريا الكبرى"، بل خرجوا من متصرفية جبل لبنان، وهي وحدة إدارية عثمانية ذات نظام خاص، تمتعت بوضع سياسي وإداري مختلف عن الولايات العثمانية المجاورة.
وكانت هجرتهم نتيجة ظروف قاسية فرضتها الدولة العثمانية، من ظلم واضطهاد ومجاعات، ولا سيما المجاعة الكبرى التي ضربت جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى، والتي أودت بحياة مئات الآلاف. وكان المسيحيون من أكثر الفئات تضررًا، وهو ما يفسر الحضور البارز للمثقفين المسيحيين في أدب المهجر.
لقد كان هؤلاء أبناء جبل لبنان. كتبوا باللغة العربية لأنها كانت لغة الأدب والثقافة في المشرق، لكن اللغة ليست مرادفًا للهوية السياسية أو الوطنية. فقد تعلّم كثير منهم أيضًا اللغة السريانية في الكنائس والمدارس، باعتبارها جزءًا من تراثهم الروحي والثقافي، كما هو معروف في سيرة جبران خليل جبران في بشري. فاللغة أداة للتعبير، أما الهوية فتتشكل من التاريخ والذاكرة والانتماء والمؤسسات والبيئة الاجتماعية.
ولهذا، فإن استخدام اللغة العربية لا يبرر إعادة تصنيفهم وفق مفاهيم قومية ظهرت لاحقًا، تمامًا كما أن كتابة كبار الأدباء الإيرلنديين باللغة الإنكليزية لم تجعلهم إنكليز، ولا كتابة غابرييل غارسيا ماركيز بالإسبانية جعلته إسبانيًا.
ومن هنا، فإن تصوير جبل لبنان وكأنه مجرد جزء من كيان سياسي اسمه "سوريا الكبرى" يفتقر إلى الدقة التاريخية. فـ"سوريا الكبرى" لم تكن دولة ذات سيادة، ولم تكن إطارًا سياسيًا عاش في ظله هؤلاء الأدباء، بل كانت مشروعًا فكريًا وقوميًا ظهر في القرن العشرين، وتبنته لاحقًا تيارات سياسية مختلفة. أما إسقاط هذا المشروع على حقبة سابقة، فهو قراءة أيديولوجية للماضي، لا قراءة تاريخية له.
وينطبق الأمر نفسه على الإشارة إلى "فلسطين". ففي تلك الحقبة، لم تكن هناك دولة مستقلة بهذا الاسم، بل كانت المنطقة، شأنها شأن سوريا، جزءًا من الدولة العثمانية، في حين كان جبل لبنان يتمتع بخصوصية إدارية وقانونية ضمن نظام المتصرفية.
واللافت أن النص الجديد يقع في تناقض يصعب تبريره. فهو يعرّف مصممة النصب بأنها فنانة مغربية-فرنسية، فيجمع بين الأصل والجنسية، لكنه عندما يتحدث عن جبران ونعيمة والريحاني وسواهم، يكتفي بوصفهم بأنهم عرب أميركيون، متجاهلًا أصولهم اللبنانية.
فإذا كان من الطبيعي تعريف الفنانة وفق أصولها المغربية وجنسيتها الفرنسية، فمن الطبيعي أيضًا تعريف جبران ورفاقه بأنهم لبنانيون-أميركيون، أو أميركيون من أصول لبنانية، لأن هذا الوصف يعكس أصولهم التاريخية ومسار هجرتهم بصورة أدق، ولا يختزلهم في توصيف ثقافي أو قومي عام.
ويقول المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم في كتابه Nations and Nationalism since 1780 إن الأمم والهويات القومية ليست كيانات أزلية، بل تتشكل في سياقات تاريخية محددة. ومن هنا، فإن إعادة تعريف شخصيات تاريخية وفق مفاهيم وهويات نشأت لاحقًا، يمثل خروجًا عن المنهج التاريخي، لأنه يعيد تشكيل الماضي بما يخدم تصورات الحاضر.
أما عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس، فقد بيّن أن الذاكرة الجماعية هي الإطار الذي تُبنى من خلاله هوية الجماعات، وأن أي تغيير في سردية الماضي ينعكس مباشرة على إدراك المجتمع لذاته. ولذلك، فإن قضية جبران ورفاقه ليست مجرد نقاش حول كلمات كُتبت على لوحة، بل هي نقاش حول الذاكرة والهوية، وحول حق الشعوب في أن يُروى تاريخها كما كان، لا كما يُعاد تفسيره لاحقًا.
لقد كان تصحيح اللوحة انتصارًا للحقيقة، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش. فالتاريخ لا يُصحَّح فقط بتبديل الأسماء، بل أيضًا بتصحيح الرواية التي تُقدَّم للأجيال. وما دامت الرواية ما تزال تحمل إسقاطات أيديولوجية على وقائع تاريخية تعود إلى أكثر من قرن، فإن معركة الدفاع عن الحقيقة لم تنتهِ بعد.
إن الدفاع عن هوية جبران ونعيمة والريحاني ليس دفاعًا عن أسماء أفراد، بل عن حق لبنان في ذاكرته، وعن حق التاريخ في أن يبقى تاريخًا، لا مادةً لإعادة الصياغة وفق اعتبارات الحاضر.
أستاذة جامعية

