لو وُلد الإنسان بلا اسم...ولا دين...ولا لغة...ولا جنسية...ولا أي انتماء آخر... فكم من الوقت سيبقى "إنساناً" في أعيننا، قبل أن نسارع إلى اختزاله في أول تصنيف؟
ربما...ثوانٍ فقط، فالإنسان المجرّد يربكنا، لا لأننا نخافه...بل لأننا لا نعرف أين نضعه، فنبحث، بسرعة، عن أول مفتاح؛ ما اسمه؟ من أين هو؟ ما دينه؟ إلى أي طائفة ينتمي؟ وكأن تلك الإجابات تكفي لتفسيره كله؛ وما إن نجد الإجابة، حتى نشعر أننا عرفناه.
لكن...هل عرفناه فعلاً؟ أم عرفنا فقط التصنيف الذي وضعناه فيه؟
في المقال السابق، حاولنا أن نؤجل الحكم حتى نفهم الإنسان. أما اليوم...فأخشى أن الفهم وحده لا يكفي؛ فقد أفهمك...ثم أرفضك؛ وقد أعرفك...ثم أختزلك؛ وقد أسمع قصتك كاملة...ثم لا أتذكر منها إلا ما يؤكد الفكرة التي كوّنتها عنك منذ اللحظة الأولى.
وربما لهذا...لا يبدأ بناء المجتمع بالفهم فقط...بل بالتقبّل؛ لكن التقبّل لا يبدأ مع الآخر، بل يبدأ مع الإنسان نفسه.
هل تستطيع أن تتقبّل نفسك... قبل أن تصنّفها؟
ربما يكون أول إنسان نصنّفه في حياتنا...هو نحن؛ فنحن لا نولد حاملين فكرة عن أنفسنا، بل نتلقاها شيئاً فشيئاً؛ يقال لنا: هذا اسمك وهذه هويتك وهذا دينك...وهذا وطنك...وهذه طائفتك...وهذه قوميتك...وهذه ثقافتك...ثم تكبر القائمة مع العمر؛ فتصبح لنا مهنة، واتجاه سياسي، وطبقة اجتماعية، ونادي نشجعه، وآراء ندافع عنها؛ لا شيء من هذا سيئ، فالانتماء جزء من حياة الإنسان، بل هو حاجة إنسانية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء...من جزءٍ من الإنسان...إلى الإنسان كله.
فننسى، من حيث لا نشعر، أن كل هذه الأوصاف جاءت بعد حقيقة واحدة...أننا ولدنا بشراً. وقبل أن نكون أبناء أوطان...كنا أبناء الإنسانية؛ وقبل أن ننتمي إلى جماعة...كنا ننتمي إلى الإنسان.
لأن الإنسان الذي يختزل نفسه في تصنيف، لن يستطيع إلا أن يختزل الآخرين في تصنيفاتهم أيضاً.
وقد عبّر الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (Paul Ricoeur) عن هذه الفكرة عندما ميّز بين الهوية التي تُختزل في تعريف جامد، والهوية التي تتشكل عبر قصة الإنسان كلها. فالإنسان، في نظره، ليس عنواناً ثابتاً، بل رحلة لا تنتهي، ولا يمكن اختزال الرحلة في عنوان.
ولعل الحرية تبدأ من هنا، لا عندما أغيّر التصنيف الذي أحمله...بل عندما أكتشف أن إنسانيتي أوسع من كل التصنيفات التي أحملها.
لكن... هل تستطيع أن تتقبّل الإنسان قبل أن تعرف من هو؟
حين تلتقي إنساناً للمرة الأولى...يقف أمامك إنسان؛ لا أكثر، لكن هذه اللحظة قصيرة جداً، فسرعان ما يبدأ العقل بالبحث عن المفاتيح. من أين جاء؟ كيف يفكر؟ إلى أي جماعة ينتمي؟ وهنا تكمن مفارقة مؤلمة، إن أكثر ما يُحاكَم عليه الإنسان في حياته...هو غالباً أكثر ما لم يختره فيها.
فلم يختر أحدٌ مكان ولادته، ولا لغته الأولى، ولا العائلة التي خرج منها، ولا كثيراً من الظروف التي رسمت بدايات حياته؛ ومع ذلك...قد تكون هذه الأمور نفسها سبباً في أن يُحب أو يُرفض، أن يُقترب منه، أو يُبتعد عنه، أن يُكرَّم، أو يُدان، وكأن الإنسان يُحاسَب على أشياء لم يخترها يوماً.
وهنا، لا يعود السؤال:من أين جاء هذا الإنسان؟
بل يصبح السؤال: هل يحق لي أن أجعل ما لم يختره، سبباً لحكمي عليه؟
لقد رأى أرسطو (Aristotle) أن التصنيف حاجة طبيعية للعقل، فمن دونه يصعب علينا فهم العالم.
هذا صحيح؛ فالتصنيف، في حدّ ذاته، ليس مشكلة؛ بل هو إحدى وسائل العقل لفهم الواقع. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل التصنيف من أداةٍ للفهم إلى أداةٍ للاختزال. فالتصنيف يصبح خطيراً عندما يتحول إلى اختزال؛ عندما لا يعود يساعدنا على فهم الإنسان، بل يحلّ محلّه، وعندها، لا نعود نرى الإنسان... بل الفكرة التي صنعناها عنه.
ولهذا قال إيمانويل كانط (Immanuel Kant) إن الإنسان يجب أن يُعامل دائماً كغاية في ذاته، لا كوسيلة.
وربما يمكن أن نضيف: ولا كتصنيف.
أما مارتن بوبر (Martin Buber)، فقد رأى أن العلاقة الحقيقية لا تبدأ عندما أدرس الإنسان، بل عندما أقف أمامه باعتباره "أنت"، لا موضوعاً للتحليل.
لكن يبقى السؤال: هل أستطيع أن أتقبّل الإنسان، قبل أن أعرف من هو؟
أما يسوع، فقد قدّم الجواب بأبسط عبارة، حين قال: "فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم" (متى 7:12).
لم يقل:افعلوا ذلك بمن يشبهكم، ولا بمن يؤمن مثلكم، ولا بمن ينتمي إلى جماعتكم، قال ببساطة: "الناس."
وكأن الإنسان، عنده، كان يسبق كل تعريف آخر.
هل تستطيع أن تتقبّل الإنسان... بعد أن تعرف من هو؟
ربما كان السؤال الأول هو الأسهل، فمن السهل أن أتقبّل إنساناً لا أعرف عنه شيئاً، أما الامتحان الحقيقي، فيبدأ عندما أعرف.
حين أعرف أنه لا يشبهني، أو أنه لا يؤمن بما أؤمن به، أو أنه ينتمي إلى جماعة لا أنتمي إليها، أو أنه يحمل أفكاراً لا أقتنع بها، أو أنه عاش حياةً لم أعشها، أو أنه ارتكب أخطاءً لم أرتكبها؛ هناك فقط! يبدأ التقبّل الحقيقي.
لأن المشكلة لم تكن يوماً في المعرفة...بل في ما نفعله بها، فكم من معرفةٍ قرّبت إنساناً من إنسان، وكم من معرفةٍ صنعت بينهما جداراً؛ وكم من مرةٍ لم نعد نرى الإنسان، بل ما عرفناه عنه.
التقبّل لا يبرّر... بل يحرّر
ليس كلمةً تُقال، ولا مجاملةً تُقدَّم، ولا تنازلاً عن قناعة؛ التقبّل هو أن تعترف، في أعماقك، بأن إنسانية الآخر لا تحتاج إلى إذنك كي تكون موجودة. وأن كرامته لا تُولد من اتفاقك معه، بل من كونه إنساناً مثلك.
ولعل أكثر ما يلتبس علينا هو معنى التقبّل، فكثيرون يظنون أن التقبّل يعني الموافقة، أو يعني التنازل، أو يعني التخلي عن المبادئ؛ لكن التقبّل ليس شيئاً من ذلك.
فأنا قد أختلف مع فكرتك، ولا أحتقر إنسانيتك؛ وقد أرفض سلوكك، ولا أنكر كرامتك؛ وقد أعارض موقفك، ولا ألغي حقك في أن تبقى إنساناً. إن التقبّل لا يعني أن يصبح كل شيء صحيحاً، بل يعني أن يبقى الإنسان أكبر من خطئه، وأكبر من التصنيف الذي وضعناه فيه؛ فالخطأ قد يستحق الإدانة... أما الإنسان فلا يجوز أن يُختزل في خطئه.
وقد رأى الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيناس (Emmanuel Levinas) أن مسؤوليتنا الأخلاقية تبدأ منذ اللحظة التي نلتقي فيها وجه الآخر. فالوجه لا يحمل إلينا أفكاره، ولا انتماءه، ولا تاريخه، بل يحمل إنسانيته أولاً، وكأن الوجه يطلب منا شيئاً واحداً: لا تختزلني.
أما الطبيب والفيلسوف فيكتور فرانكل (Viktor Frankl)، فقد رفض أن يُختزل الإنسان في ماضيه أو في ظروفه، لأنه كان يؤمن أن الإنسان يبقى دائماً قادراً على الاختيار، وقادراً على أن يبدأ من جديد. ولذلك، فإن اختزال الإنسان في لحظة واحدة من حياته، هو إنكار لحريته قبل أن يكون حكماً عليه.
وربما لا أجد مثالاً يجسد هذه الفكرة أكثر من يسوع، فعندما أُحضرت إليه المرأة التي أُمسكت في الزنى، كان الجميع يعرف من هي، ويعرف خطيئتها، ويعرف الحكم الذي تستحقه؛ لقد اكتمل التصنيف، وأصبحت، في نظرهم، زانيةً قبل أن تكون إنسانة.
لكن يسوع لم ينظر إليها كما نظر إليها الآخرون، ولم يبدأ من خطيئتها، بل بدأ من إنسانيتها، ولم يقل إن ما فعلته لم يكن خطيئة، ولم يلغِ العدالة، لكنه رفض أن تتحول الخطيئة إلى هوية. وقال لمن حوله:
"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر" (يوحنا 8: 7).
في تلك اللحظة...لم يدافع يسوع عن الخطيئة، بل دافع عن الإنسان؛ وكأنه يقول لنا جميعاً: إياكم أن تجعلوا ما عرفتموه عن الإنسان... ينسيكم الإنسان نفسه. ولهذا لم تكن السامرية، بالنسبة إليه، مجرد سامرية، ولم يكن زكا مجرد عشار، ولم تكن المرأة التي أُمسكت في الزنى مجرد زانية؛ لأنه كان يرى ما هو أعمق من كل تصنيف؛ كان يرى الإنسان...ثم يبدأ من هناك.
حين يختفي الإنسان
وربما هنا يصبح السؤال مختلفاً، فنحن نسأل عادةً: من هو الإنسان الذي أمامي؟ بينما السؤال الأهم هو: هل ما زلت أرى الإنسان... أم لم أعد أرى إلا تصنيفه؟ هل أراه إنساناً...ثم أتعرف إلى أفكاره، وانتماءاته، وتجربته، وأخطائه؟ أم أراه تصنيفاً، ثم أحاول أن أبحث عن الإنسان داخله؟
إن الفرق بين المجتمع الإنساني والمجتمع المنقسم لا يكمن في كثرة الاختلافات، فالاختلاف حقيقة إنسانية؛ لكن السؤال هو: ماذا يسبق ماذا؟ هل يسبق التقبّلُ التصنيف، أم يسبق التصنيفُ التقبّلَ؟
فحين يسبق التقبّلُ التصنيفَ...يبقى الإنسان أكبر من اختلافاته.
أما حين يسبق التصنيفُ التقبّلَ...فلا يعود الإنسان إنساناً، بل يصبح اسماً، أو ديناً، أو طائفة، أو حزباً، أو جنسية، أو لوناً، أو فكرةً...أو حكماً جاهزاً.
ولعلني، بعد كل ما سبق، لم أعد أبحث عن مجتمعٍ يخلو من الاختلاف، ولا أظن أن مثل هذا المجتمع يمكن أن يوجد أصلاً.
لكنني أحلم بمجتمعٍ لا يُختزل فيه الإنسان بما يختلف به عن غيره، مجتمعٍ يبقى فيه الإنسان...إنساناً...قبل أن يُعرَف، وبعد أن يُعرَف؛ وقبل أن يُصنَّف، وبعد أن يُصنَّف.
لأن الإنسان لا يفقد إنسانيته عندما يختلف معي، بل عندما أفقد أنا قدرتي على رؤيته إنساناً؛ وربما لهذا، لا يكون التقبّل فضيلةً أمنحها للآخر، بل إنسانيةً أحافظ بها على نفسي.
فكلما سبق التقبّلُ التصنيفَ، اتسعت إنسانيتنا.
وكلما سبق التصنيفُ التقبّلَ، ضاقت حتى لم تعد ترى في الإنسان، الا تصنيفه.
وأعتقد أن هذا هو المعنى الذي أردتُ الوصول إليه منذ بداية هذا المقال: التقبّل لا يطلب مني أن أتخلى عن الحقيقة... بل يطلب مني ألا أضحي بالإنسان في سبيل التصنيف؛ فالتقبّل ليس موافقةً، ولا تنازلاً، ولا تبريراً. إنه فعلُ اعتراف. اعترافٌ بأن الإنسان يظل إنساناً، قبل الاتفاق وبعده، وقبل الاختلاف وبعده. فالتقبّل لا يمنح الآخر قيمته، بل يمنعنا نحن من أن نسلبه إياها.
فكل إنسان نختزله في تصنيف... نفقد معه شيئاً من إنسانيتنا. وكل إنسان نراه إنساناً أولاً... نستعيد معه شيئاً منها؛ وحين يأتي اليوم الذي نستطيع فيه أن نرى في الإنسان أكثر من اسمه، وأكثر من دينه، وأكثر من فكره، وأكثر من ماضيه... ربما نكون قد خطونا أول خطوة حقيقية نحو الإنسانية.
فالإنسان أكبر دائماً من كل اسمٍ نحمله له، ومن كل تصنيفٍ نضعه فيه.