عام 1983، لم تكن "جبهة الإنقاذ الوطني" مجرّد إطار سياسي اعترض على اتفاق 17 أيار. كانت، في جوهرها، واحدة من أكثر التسميات تضليلا في تاريخ الحرب اللبنانية: جبهة رفعت شعار الإنقاذ، لكنها لم تُنقذ الدولة؛ بل ساهمت في تسليم ما تبقّى من قرارها إلى نظام حافظ الأسد. فالإنقاذ، في تلك اللحظة، لم يكن إنقاذ لبنان من الاحتلالات ولا من الميليشيات ولا من انهيار المؤسسات، بل إنقاذ الوصاية السورية من احتمال قيام دولة لبنانية قادرة على التفاوض واتخاذ القرار.
الاتفاق وُقّع في 17 أيار 1983، وسوريا رفضته منذ البداية واعتبرته استسلامًا، ورفضت حتى التفاوض على انسحاب قواتها من لبنان. بعدها، اجتمع في زغرتا، بحضور ضابط سوري رفيع، عدد من السياسيين اللبنانيين التقليديين الحلفاء لدمشق، قبل أن يبدأ التصعيد العسكري بقصف بيروت الشرقية وجونية وبكفيا في حزيران. هكذا، وقبل أن تولد الجبهة رسميًا، كان القرار الفعلي قد اتُخذ: إسقاط الاتفاق، لا بالنقاش السياسي، بل بالنار.
الأهم أنّ مجلس النواب اللبناني، في 14 حزيران 1983، أقرّ الاتفاق بأغلبية واضحة: 64 صوتًا مقابل صوتين وأربع امتناعات. أي أنّ المشكلة لم تكن في غياب قرار لبناني، بل في وجود قوة إقليمية قررت أن القرار اللبناني لا قيمة له إذا لم يمرّ عبر دمشق. هنا يبدأ الدرس التاريخي: الدولة قد تقرّر، البرلمان قد يصوّت، والحكومة قد تفاوض، لكن ميزان السلاح والوصاية كان أقوى من المؤسسات.
في 23 تموز 1983، تشكّلت "جبهة الإنقاذ الوطني" من أطراف لا يجمعها مشروع داخلي واحد. كانت خليطًا من زعامات ناقمة، وأحزاب تبحث عن دور، وقوى وجدت في المظلّة السورية فرصة للعودة إلى طاولة القرار. كل طرف كان يريد "لبنانًا آخر"، لكن أيًّا منهم لم يكن يريد لبنان نفسه الذي يريده الآخرون. ما وحّدهم لم يكن الإصلاح، ولا السيادة، ولا بناء الدولة، بل العداء لاتفاق 17 أيار والارتباط بسوريا. لذلك لم تكن الجبهة مشروعًا وطنيًا، بل واجهة لبنانية لصراع إقليمي على القرار اللبناني.
تطورت المعركة سريعًا من اعتراض سياسي إلى حرب على الدولة. في آب وأيلول 1983، خسرت الحكومة السيطرة على أجزاء واسعة من بيروت الغربية والضاحية. وفي الجبل، تحوّل الانسحاب الإسرائيلي إلى فراغ ملأته الميليشيات، فوقعت حرب الجبل وعمليات التهجير والمجازر، فيما كانت المدفعية السورية والدرزية تقصف بيروت ومحيطها. لم يكن الهدف إسقاط اتفاق فقط، بل إسقاط قدرة الدولة والجيش على الانتشار وفرض سلطة واحدة.
ثم جاءت محطة جنيف في تشرين الأول 1983 لتكشف حجم التحول. سوريا استطاعت أن تفرض فيتو على مشاركة رئيس الحكومة شفيق الوزان لأنه كان من دعاة انسحاب القوات السورية ومن القوى التي دفعت باتجاه الاتفاق. ووجود عبد الحليم خدام في المؤتمر لم يكن تفصيلا بروتوكوليًا، بل إعلانًا سياسيًا بأن القرار اللبناني عاد يدور في الفلك السوري، وأن "الإنقاذ" المزعوم انتهى إلى تكريس الوصاية.
في 6 شباط 1984، وصلت العملية إلى ذروتها. تقدمت ميليشيات "أمل" والحزب "التقدمي الاشتراكي" في بيروت الغربية، وانفرط عقد اللواء السادس في الجيش، وانقسمت بيروت مجددًا على خط التماس. عندها لم يعد لبنان فقط في حرب ضد اتفاق 17 أيار، بل أصبح في حرب أهلية جديدة بين جماعات لبنانية، نجحت سوريا في استخدامها لإسقاط الاتفاق وإخراج الأميركيين وحلفائهم من لبنان. وفي 5 آذار 1984، أُلغي الاتفاق رسميًا، لا لأن الدولة أعادت تقييمه بحرية، بل لأن ميزان القوة فرض عليها ذلك.
اليوم، لا يحتاج لبنان إلى "جبهة إنقاذ" على طريقة 1983، بل إلى جبهة معاكسة تمامًا: جبهة لدعم الدولة، لا لمحاصرتها؛ لدعم رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة في استعادة السيادة، لا لاستخدام الشارع والسلاح والابتزاز لإسقاط قرار المؤسسات. في 1983، تشكّلت جبهة تحت عنوان إنقاذ لبنان من اتفاق، لكنها انتهت عمليًا إلى إنقاذ الوصاية السورية. أما اليوم، فالمطلوب إنقاذ لبنان من منطق الوصاية نفسه.
الفارق أنّ النظام السوري الذي صنع جبهة 1983 وأسقط القرار اللبناني باسم "الإنقاذ" لم يعد موجودًا. سقط منذ سنة، وسقطت معه واحدة من أقدم آلات الوصاية على لبنان. أمّا النظام الإيراني، الذي ورث الوظيفة نفسها عبر "حزب الله" والسلاح الموازي، فهو اليوم أضعف من أن يستنسخ تجربة حافظ الأسد. لذلك لا يستطيع أن يؤسس جبهة إنقاذ جديدة تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. ما يستطيع فعله هو التعطيل والتهويل. ومن هنا تأتي أهمية قيام جبهة وطنية معاكسة: جبهة الدولة، لا جبهة الميليشيا؛ جبهة السيادة، لا جبهة المحور.