انتهت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان، وحملت رسائل سياسية تتعلق بفتح صفحة جديدة بين البلدين بعد سقوط نظام الأسد. ولا شك أن أي لبناني يتطلع إلى قيام أفضل العلاقات مع سوريا الجديدة، على قاعدة الاحترام المتبادل والسيادة الكاملة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لكن بناء صفحة جديدة لا يبدأ من البروتوكول وحده، بل من الاعتراف بالذاكرة، واحترام من دفعوا أثماناً باهظة في مواجهة النظام الذي حكم سوريا لعقود.
كان يجب على الشيباني أن يزور القوى السيادية في لبنان، لأن اللبنانيين لم يعاملوا الشعب السوري بالمثل، فعندما ثار السوريون مطالبين بالحرية، وقف آلاف اللبنانيين، ولا سيما القوى السيادية، إلى جانب الشعب السوري الحر، ودافعوا عن حقه في إسقاط نظام القتل والاستبداد، رغم ما تعرضوا له من حملات تخوين وتهديد.
وكان يجب عليه أن يزورهم لأن هؤلاء اللبنانيين أنفسهم عانوا من نظام الأسد منذ عام 1976. عانوا في حرب الأشرفية، وفي قصف زحلة، وفي كل مراحل الاحتلال السوري للبنان، وصمدوا وانتصروا في وجه آلة القتل الأسدية. ومع ذلك، لم يجدوا في المقابل الحد الأدنى من التضامن الشعبي السوري مع معركتهم من أجل الحرية والسيادة.
وكان يجب عليه أن يزورهم لأن اللبنانيين الذين ناضلوا خمسة عشر عاماً لإنهاء الاحتلال السوري، وتظاهروا، واعتُقلوا، واضطُهدوا، واستشهد منهم قادة وسياسيون وصحافيون وعسكريون ومواطنون، لم يجدوا من يلاقيهم من السوريين في مطالبهم المشروعة بخروج الجيش السوري من لبنان واستعادة استقلال الدولة اللبنانية.
لهذا، نعم، كان يجب على وزير الخارجية السوري، وربما مستقبلاً على رئيس الجمهورية السورية، أن يزور حزب الكتائب، وحزب القوات اللبنانية، وأهالي شهداء القاع والدامور، ومسيحيي قرنة شهوان، وأعضاء لقاء البريستول، وتيار المستقبل، وأن يقف أمام قبور كل شهيد سقط على يد نظام الأسد منذ عام 1976، وصولاً إلى شهداء انتفاضة 14 آذار.
وكان يجب عليه أيضاً أن يزور وزارة الدفاع اللبنانية، وموقع ضهر الوحش، والمقابر التي تضم شهداء الجيش اللبناني الذين قاتلوا دفاعاً عن وطنهم في مواجهة الجيش السوري، وأن يكرّم ذكراهم بعدما تنكّر لهم لاحقاً قائدهم عندما اختار الالتحاق بمحور الأسد – طهران طمعاً بالسلطة والمناصب.
وكان يجب عليه أن يزور عائلة بطرس خوند، وكل عائلات اللبنانيين المخفيين قسراً في السجون السورية، لأن هذا الملف ليس تفصيلاً في التاريخ، بل جرحاً مفتوحاً لا يزال ينتظر الحقيقة والعدالة.
نعم، نريد صفحة جديدة مع سوريا الجديدة. ونريد أفضل العلاقات السياسية، وعلاقات ندية بين دولتين مستقلتين، وتكاملاً اقتصادياً يعود بالنفع على الشعبين. لكن هذه الصفحة لا تُبنى بتجاهل الذين قاوموا الوصاية، ولا بتجاوز ذاكرة الشهداء، ولا بالقفز فوق عقود من الألم.
كانت زيارة هؤلاء هي المدخل الطبيعي لبناء الثقة، والانطلاق نحو مستقبل مختلف، لأن المصالحة الحقيقية تبدأ بالاعتراف قبل المصافحة، وباحترام الذاكرة قبل تبادل المجاملات "فالصلح على زغل لا يدوم".