المحامي إميل عون

هل تنازل لبنان لإسرائيل في الاتفاق الإطاري؟ رأي في ضوء القانون الدولي العام

8 دقائق للقراءة

يشكل هذا السؤال اليوم محور الجدل السياسي والقانوني في لبنان، فيذهب فريق إلى اعتبار الاتفاق الإطاري بمثابة اتفاق إذعان فرضته إسرائيل والولايات المتحدة على لبنان في ظل اختلال موازين القوى العسكرية، بينما يرى فريق آخر أنه لا يتضمن أي تنازل عن السيادة أو عن الأراضي اللبنانية، وإنما ينظم مرحلة انتقالية تمهيداً لتسوية أشمل. ومن وجهة نظر القانون الدولي العام، لا يمكن للجواب أن يبنى على الانطباعات السياسية أو على ميزان القوى، بل يجب أن يستند إلى قواعد قانونية مستقرة، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، واجتهاد محكمة العدل الدولية، والفقه الدولي المعاصر. ففي القانون الدولي، لا يكفي أن يبدو الاتفاق "غير متوازن" أو أن يفرض التزامات أكبر على أحد الطرفين حتى يوصف بأنه اتفاق إذعان أو يكون باطلاً، و يميز الفقه الدولي بين الاتفاق غير المتكافئ سياسياً (Politically Unequal Agreement) والمعاهدة الباطلة قانوناً (Invalid Treaty) وهما أمران مختلفان تماماً، فقد تكون المعاهدة قاسية على أحد الأطراف، ومع ذلك تبقى صحيحة قانوناً. من هنا، يطرح الكاتب بعض الاسئلة المتداولة ويحاول الاجابة عليها.

أولاً، لا وجود في القانون الدولي لنظرية "اتفاق الإذعان" بالمفهوم المعروف في القانون المدني

من المبادئ المستقرة أن نظرية عقد الإذعان هي نظرية في القانون الخاص، ولا تطبق بذاتها على العلاقات بين الدول. فالقانون الدولي لا يبطل معاهدة لأن إحدى الدول كانت أضعف عسكرياً أو اقتصادياً من الدولة الأخرى. وقد شهد التاريخ الدولي معاهدات كثيرة أبرمت في ظروف اختلال واضح في موازين القوى (كاتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة وادي عربة واتفاق دايتون)، ومع ذلك لم تعتبر باطلة لمجرد هذا الاختلال. ويؤكد أنطوني أوست أن عدم التكافؤ السياسي أو العسكري لا يؤدي، في ذاته، إلى بطلان المعاهدة، ما لم يقترن بعيب من عيوب الرضا التي يحددها قانون المعاهدات(1).

ثانياً، متى تبطل المعاهدة بسبب الإكراه؟

المرجع الأساسي هو المادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي تنص على أن "تكون المعاهدة باطلة إذا تم التوصل إليها نتيجة التهديد باستعمال القوة أو استعمالها بالمخالفة لمبادئ القانون الدولي الواردة في ميثاق الأمم المتحدة". وهذه المادة فسرتها لجنة القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية تفسيراً ضيقاً، فلا يكفي وجود احتلال أو حرب أو ميزان قوى مختل، بل يجب إثبات أن الدولة وقعت المعاهدة لأنها أُكرهت قانونياً باستعمال القوة لإرغامها على القبول، وهذا معيار صعب جداً. وقد أوضحت لجنة القانون الدولي أن المقصود ليس مجرد وجود حرب أو احتلال أو اختلال في ميزان القوى، وإنما أن تكون الدولة قد أُكرهت على إبرام المعاهدة بواسطة تهديد أو استعمال غير مشروع للقوة بهدف انتزاع رضاها. ومن ثم، فإن إثبات بطلان معاهدة استناداً إلى المادة 52 يقتضي معياراً إثباتياً صارماً، وهو معيار نادراً ما تحقق في الممارسة الدولية(2). فقد أبرمت دول كثيرة اتفاقيات وهي تحت الاحتلال الجزئي أو أثناء النزاعات المسلحة ولم تعتبر تلك الاتفاقيات باطلة تلقائياً، فالقضاء الدولي يبحث تحديدًا في ما اذا هل كانت إرادة الدولة معدومة أم أنها مارست سيادتها رغم الظروف الصعبة.

ثالثاً، هل يتضمن الاتفاق تنازلاً عن الأراضي اللبنانية؟

من خلال مضمون النص المنشور، تكون الإجابة سلبية، فلا توجد مادة واحدة تنص على الاعتراف بسيادة إسرائيل على أي جزء من الأراضي اللبنانية أو تعديل الحدود الدولية أو التخلي عن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وأي منطقة أخرى، أو إسقاط المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي، وهذه نقطة قانونية حاسمة. فالقاعدة المستقرة في القانون الدولي هي أن التنازل عن الإقليم لا يفترض، بل يجب أن يكون صريحاً وواضحاً ولا يحتمل التأويل. وقد أكد الفقه الدولي أن نقل السيادة الإقليمية لا يستنتج ضمناً من عبارات عامة أو من ترتيبات أمنية انتقالية (3).

رابعاً، هل أغفل الاتفاق مسألة الانسحاب الإسرائيلي؟

هنا تكمن الإشكالية القانونية الحقيقية، فالقراءة الدقيقة للمواد 3 و5 و7 تظهر أن الاتفاق ينظم إعادة انتشار القوات الإسرائيلية، ويربط هذه العملية بتحقق ترتيبات أمنية، لكنه لا يتضمن التزاماً صريحاً وغير مشروط بانسحاب كامل خلال مهلة زمنية محددة. ومن وجهة نظر القانون الدولي، فإن هذا لا يشكل تنازلاً عن الأراضي، لكنه يمثل ثغرة تفاوضية ذات أهمية كبيرة. وكان من الأفضل أن يتضمن الاتفاق مثلاً مادة تنص على ما يشبه هذا المضمون: "تلتزم إسرائيل بالانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة خلال مدة لا تتجاوز كذا يوم أو شهر تحت إشراف آلية دولية".

خامساً، هل يجوز قانوناً ربط الانسحاب بشروط أمنية؟

من حيث المبدأ، يقر القانون الدولي بإمكان الدول الاتفاق على ترتيبات انتقالية أو أمنية لتنفيذ الانسحاب، لكن في المقابل، فإن قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ولا سيما قرار مجلس الأمن 425 وقرار مجلس الأمن 1701، لم تربط مبدأ الانسحاب الإسرائيلي عن الأراضي اللبنانية بشرط مسبق يتمثل في نزع سلاح جهة غير حكومية. ومن ثم، يمكن القول إن الاتفاق يبتعد عن المنهج التقليدي الذي اعتمدته الأمم المتحدة، من دون أن يؤدي ذلك تلقائياً إلى إسقاط الحقوق الإقليمية للبنان(4).

سادساً، هل يفقد لبنان حقه في المطالبة بالانسحاب لاحقاً؟

الجواب القانوني هو سلبي، فالقاعدة المستقرة منذ اعتماد ميثاق الأمم المتحدة هي عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، وهي قاعدة آمرة (Jus Cogens). وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن الآثار القانونية لبناء الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة أن الاحتلال، مهما طال، لا ينقل السيادة القانونية إلى الدولة المحتلة. وبالتالي، فإن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، أو حتى تنظيمه ضمن ترتيبات انتقالية، لا يؤدي بذاته إلى سقوط السيادة اللبنانية أو إلى انتقالها(5).

سابعاً، هل الاتفاق غير متوازن؟

من وجهة نظر الكاتب القانونية، الجواب ايجابي إلى حد معين، فالالتزامات المفروضة على لبنان تبدو محددة وأكثر تفصيلاً وأكثر قابلية للقياس ومرتبطة بآليات تحقق دقيقة. أما الالتزامات الإسرائيلية، ولا سيما ما يتعلق بإنهاء الوجود العسكري، فتبدو أكثر عمومية ومرونة وارتباطاً بتحقق شروط أمنية وغير مقترنة بجدول زمني واضح. ومن زاوية الصياغة القانونية، هذا يخلق عدم تماثل (Asymmetry) في بنية الالتزامات، إلا أن عدم التماثل لا يعني بالضرورة وجود تنازل قانوني أو بطلان المعاهدة.

ثامناً، هل يشكل ذلك اتفاق إذعان؟

في رأي الكاتب، لا يمكن وصف الاتفاق بأنه "اتفاق إذعان" بالمعنى القانوني الدقيق، لأنه يقتضي القول بذلك إثبات أن رضا لبنان قد انتزع نتيجة تهديد أو استعمال غير مشروع للقوة على نحو يبطل الرضا وفق المادة 52 من اتفاقية فيينا، وهو أمر لا يثبت بمجرد اختلال ميزان القوى أو استمرار الاحتلال، ولذلك فإن مجرد تفوق إسرائيل العسكري لا يجعل الاتفاق باطلاً. لكن، في المقابل، يمكن القول أن الاتفاق يعكس اختلالاً في القوة التفاوضية بين الطرفين، وهو ما قد يفسر عدم التوازن في توزيع الالتزامات، وهذا توصيف سياسي وقانوني مختلف عن القول ببطلان الاتفاق.

تاسعاً، الخلاصة القانونية

بعد دراسة النص المنشور، ومقارنته بقواعد القانون الدولي العام، يصل الكاتب إلى النتائج التالية:

1- لا يتضمن الاتفاق، بصيغته المنشورة، أي تنازل صريح أو ضمني عن السيادة اللبنانية أو عن أي جزء من الإقليم اللبناني.

2- لا يعترف الاتفاق بشرعية الاحتلال الإسرائيلي، ولا ينقل أي حق سيادي إلى إسرائيل.

3- لا يكفي غياب النص الصريح على الانسحاب الكامل للقول إن لبنان تخلى عن حقه في استعادة أراضيه؛ فالحقوق الإقليمية لا تسقط بالتقادم ولا بالسكوت، ما لم يصدر تنازل واضح وصريح من الدولة صاحبة السيادة.

4- يثير الاتفاق ملاحظة قانونية جدية تتمثل في أنه ربط أجزاء من إعادة الانتشار الإسرائيلي بتحقق شروط أمنية، من دون أن يحدد جدولاً زمنياً ملزماً للانسحاب الكامل، وهو ما قد يضعف المركز التنفيذي للبنان من دون أن يؤدي إلى سقوط حقوقه القانونية.

5- لا يتمثل الانتقاد القانوني الأقوى في القول إن لبنان تنازل عن أرضه، بل في أن الاتفاق لم يوفر ضمانات تعاقدية كافية تكفل تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي بصورة واضحة ومحددة زمنياً، على نحو ينسجم مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

نهايةً، لا يرقى الاتفاق الإطاري وفق النص المنشور إلى مستوى التنازل عن الإقليم أو الاعتراف بشرعية الاحتلال، ولا يمكن وصفه قانوناً بأنه اتفاق إذعان بالمعنى الذي يؤدي إلى بطلانه وفق المادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. غير أن الاتفاق يكشف عن عدم توازن ملحوظ في بنية الالتزامات، إذ يفرض على لبنان التزامات محددة وقابلة للتحقق، في حين لا يتضمن التزاماً إسرائيلياً صريحاً ومحدداً زمنياً بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة. ومن ثم، فإن الإشكالية الأساسية ليست في سقوط الحقوق الإقليمية للبنان، وإنما في مدى كفاية الآليات القانونية التي تكفل تنفيذ تلك الحقوق عملياً، وفي مدى اتساق هذا النهج مع القرارات الدولية التي تؤكد وجوب إنهاء الاحتلال دون إضفاء طابع دائم عليه.


بعض المراجع:



 

 

محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي


https://emileaoun.com/