يُعتبر لبنان والعراق من أكثر الدول تشابهاً في طبيعة النظام السياسي بين الأنظمة العربية، فكلاهما يعتمد النظام البرلماني، حيث يشكّل رئيس مجلس الوزراء رأس السلطة التنفيذية وصاحب الدور الأساسي في إدارة شؤون الدولة.
لذلك، عندما يتخذ رئيس الحكومة قراراً واضحاً وصارماً، تتحرك مؤسسات الدولة كلها خلف هذا القرار وعندما يغيب القرار، تتعطل الدولة، مهما كثرت القوانين أو تبدلت الحكومات.
لهذا السبب، ما يحصل اليوم في العراق يطرح سؤالاً مشروعاً في لبنان: إذا كان النظامان متشابهين إلى هذا الحد، فلماذا استطاعت بغداد أن تُظهر إرادة في فتح ملفات الفساد وملاحقة المتورطين بقوة الدبابات والجيش خلال أيام قليلة من إستلام دولة علي فالح الزيدي رئاسة الحكومة، بينما لا تزال بيروت تدور في الحلقة نفسها، حيث تُفتح الملفات أمام الكاميرات، ثم تُقفل خلف الأبواب؟
ففي العراق، أطلق رئيس الحكومة علي الزيدي حملة واسعة لمكافحة الفساد، لم تكتفِ بالشعارات بل تُرجمت إلى مداهمات وتوقيفات طالت كبار المسؤولين والشخصيات نافذة، مع تأكيد واضح أن لا حصانة لأحد، وأعلن على الملأ وامام الجميع وببطش وقوة أن السلاح سيكون بيد الدولة وحدها فقط. وقد يختلف الناس على النتائج، لكن الرسالة كانت واضحة: عندما يتوافر القرار، تبدأ الدولة باستعادة دورها.
واللافت أن العراق لم يكن يوماً بلداً فقيراً حتى نقول إن الفساد وُلد من قلة الموارد. فهو من أغنى دول المنطقة بالنفط، ويملك ثروات هائلة كان يفترض أن تجعل منه قوة اقتصادية إقليمية. لكن سنوات طويلة من الهدر والفساد والمحاصصة أهدرت مئات مليارات الدولارات، حتى وصل الأمر بدولة تطفو على بحر من النفط إلى استيراد الغاز لتأمين جزء من احتياجاتها الكهربائية. هذه المفارقة وحدها تختصر حجم الكارثة: فالمشكلة ليست في نقص الثروات، بل في سوء إدارتها. لذلك، فإن أي معركة حقيقية ضد الفساد في العراق لا تعني فقط ملاحقة أشخاص، بل محاولة إنقاذ دولة دفعت ثمناً باهظاً لسنوات من النهب المنظم، وهي رسالة يفترض أن يقرأها لبنان جيداً قبل أن يصبح ما تبقى من مؤسساته مجرد ذكرى.
في لبنان لا يوجد نقص في القوانين وفي الأجهزة ولا نقص في القضاة ولا نقص في الملفات. ما ينقص لبنان هو شيء واحد فقط القرار. فنحن أسيادا بدراسة القوانين وصياغتها ولكن عبيدا في تفعيلها والعمل بها لتصبح نافذة ومشروعة.
فالفساد في لبنان لا يعيش لأنه أذكى من الدولة، بل لأنه اكتشف منذ سنوات أن الدولة تتراجع قبل أن يصل التحقيق إلى الباب الصحيح. يبدأ الملف كالعاصفة، وتنتهي القضية كهمسة. تُرفع الشعارات تُعقد المؤتمرات تمتلئ نشرات الأخبار وتبدأ التسريبات ثم تُنفّذ بعض التوقيفات وغالبا يدفع الثمن موظفون أو أشخاص لا يملكون حماية سياسية. وبعد أسابيع أو أشهر يخرج الموقوفون ويُقفل الملف، فلا نعرف كيف أُخلي سبيلهم ولا على أي أساس ولا لماذا توقف التحقيق عند هذا الحد، ثم يسود الهدوء ويدخل كل شيء في صمت عميق.
ففي أي دولة تريد أن تبني نفسها يبدأ الإصلاح من قرار، قرار لا يعرف المحسوبيات، ولا يخاف من الأسماء، ولا يميّز بين مسؤول ومواطن، فيمكن لقرار سياسي واضح وصارم أن يغيّر المشهد برمته وهو القرار الذي يخشاه الفاسدون.
فالدول التي ارادت استعادة هيبتها، لم تبدأ الحرب على الفساد بخطاب، بل بدأت بلحظة حاسمة قال فيها رأس السلطة التنفيذية : لن أحمي أحداً. من تلك اللحظة، فهم الفاسد أن ظهره لم يعد محمياً، وأن الهاتف الذي كان يوقف التحقيق لم يعد يرن، وأن الواسطة فقدت صلاحيتها، وأن اسم العائلة والحزب والطائفة لم يعد جواز مرور فوق القانون.
أما في لبنان، فما زلنا نعيش جمهورية الملفات الناقصة نعرف كيف يُفتح الملف ولا نعرف كيف يُقفل، نعرف من يُوقَف ولا نعرف من يحاسَب. كل ملفات الفساد من سرقات وسمسرات وصفقات وهدر معروفة، والجميع يعرف من استفاد، ومن غطّى، ومن سهّل... لكن ما ينقص هو القرار. نعرف من يُصوَّر أمام الكاميرات ولا نعرف من يوقّع التسويات خلف الأبواب وهنا تموت العدالة. فالعدالة ليست أن تعتقل شخصاً، العدالة أن تصل إلى من جعله يعتقد أنه لن يُعتقل يوماً والمشكلة ليست أن الفساد موجود. فالفساد موجود في معظم دول العالم. المشكلة أن الفاسد في الدول الطبيعية يخاف الدولة، أما في لبنان، فكثيرون يخشون الاقتراب من الفاسد.
كم مسؤول نام مرتاحاً لأنه يعرف أن حصانته أقوى من القانون؟ كم ملف دُفن لأن الحقيقة كانت ستصل إلى اسماء كبيرة؟
كم مواطن فقد ثقته بالدولة لأنه رأى الضعيف يُحاسَب، بينما القوي يخرج أكثر قوة؟ وكأن القانون يملك شجاعة في شارع، ويخسرها في شارع آخر.
إذا كان هناك فساد حقيقي، فليصل التحقيق إلى آخر الطريق، مهما كان اسم المتورط أو منصبه أو حزبه أو طائفته. هكذا فقط تُبنى الدولة، وهكذا فقط يفهم الجميع أن مسار بناء الجمهورية قد بدأ. أما أن يتحول كل ملف إلى مادة إعلامية ثم إلى تسوية ثم إلى صفقة جديدة، فهذا لا يبني دولة بل يوسّع دائرة الشركاء في الفساد حتى يصبح الجميع أسرى بعضهم البعض.
فأي عدالة هذه التي تُسرع إلى من سرق رغيف خبز، وتتعثر أمام من نهب المال العام؟ وأي دولة هذه التي يضطر فيها الشريف إلى تبرير نزاهته، بينما لا يُسأل الفاسد عن ثروته؟ لا يمكن بناء وطن إذا كان القانون يغيّر وجهه بحسب اسم المتهم ولا يمكن أن تقوم جمهورية إذا كان القاضي يخشى القرار السياسي أكثر مما يخشى ضميره ولا يمكن أن يحترم المواطن الدولة إذا رأى أن الدولة نفسها ترتجف أمام من يفترض بها أن تحاسبه. أما أن يُفتح الملف على الضعفاء ويُقفل عند أبواب الكبار، فهذا ليس عدالة بل توزيع جديد للأدوار. وعندما تصبح التسوية أقوى من القضاء، تتحول الدولة إلى رهينة والفساد الى مؤسسة، ويصبح القانون مجرد موظف ينتظر الإذن أو نص يُطبَّق على الضعفاء.
وهنا اتوجه بتحية احترام وتقدير لعشرات الضباط والعسكريين والقضاة الشرفاء والمدراء العامون الذين ما زالوا يقاومون ويحاولون حماية ما تبقى من هيبة المؤسسات، فإن اللبنانيين يعرفون جيدا أن المشكلة ليست في النصوص، بل في الإرادة.
أنا لا أريد استعراضات إعلامية، ولا بطولات على الشاشات، ولا مؤتمرات صحافية تنتهي بانتهاء البث. انا اريد الحقيقة فإذا كان هناك فساد فلتُكسر كل الحمايات ولتُفتح كل الملفات، وليصل التحقيق إلى آخر اسم، مهما علا منصبه أو كبر حزبه أو طائفته. عندها فقط نقتنع أن الدولة قررت أن تُحكم بالقانون لا بالتسويات ولا على طريقة (مرقلي تمرقلك)
لبنان لا يحتاج إلى خطابات مورفين وشعارات رنانة ولا يحتاج إلى لجان جديدة وعقد مؤتمرات، لبنان يحتاج إلى قرار واحد، قرار يقول إن لا أحد فوق القانون، عندها فقط يصبح القانون سيد الجميع، لا خادما لأصحاب النفوذ، وإن باب السجن لا يميّز بين وزير وموظف، ولا بين زعيم ومواطن، ولا بين صاحب نفوذ وفقير. في اللحظة التي يدخل فيها أول مسؤول كبير إلى قاعة المحكمة لأنه سرق المال العام ويصبح لقبه مجرد اسم في ملف قضائي منزوع الحصانة التي يحتمي بعباءتها لن يحتاج الشعب إلى ألف خطاب عن الإصلاح. فصوت العدالة عندما يُطبَّق أعلى من كل المنابر. عندها فقط سيتوقف الفاسد عن السؤال: من يحميني؟ وسيبدأ بالسؤال الذي لم يعتد عليه منذ سنوات من سيحاسبني؟
فعندما يصبح هذا السؤال هو الخوف الحقيقي لكل من يفكر بسرقة ليرة ومتر أرض وحق وواجب من حقوق اللبنانيين، عندها فقط نستطيع أن نقول إن الجمهورية وُلدت من جديد. أما قبل ذلك فنحن لا نحارب الفساد نحن فقط نغيّر أسماء فصوله ونتعايش معه.