تشكل الدعوة الرسمية التي وجهها البيت الأبيض إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لزيارة واشنطن ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 21 تموز، حدثاً سياسياً يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي. فهي تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وبعد أشهر من الحرب التي غيّرت موازين القوى في لبنان والمنطقة، وفي وقت تسعى فيه الدولة اللبنانية إلى تثبيت مرحلة جديدة عنوانها استعادة القرار السيادي وإطلاق ورشة إعادة الإعمار والإصلاح. ولا تبدو الزيارة مجرد لقاء ثنائي بين رئيسي دولتين، بل اختباراً حقيقياً لمستقبل العلاقة اللبنانية–الأميركية، ولإمكان ترجمة الدعم الدولي للبنان إلى خطوات عملية، مع ما قد يرافقها من حراك إقليمي أوسع لا يُستبعد أن يفتح، ولو نظرياً، باب لقاء محتمل مع بنيامين نتانياهو إذا نضجت الظروف السياسية.
أولاً: تثبيت الشراكة وملفات الأمن
يرجح أن يسعى الرئيس عون إلى تثبيت علاقة مباشرة مع إدارة ترامب تقوم على المصالح المشتركة لا على إدارة الأزمات فقط. فالولايات المتحدة تبقى اللاعب الدولي الأكثر تأثيراً في ملفات الأمن والجيش والعقوبات وإعادة الإعمار والاستثمارات الغربية. وفي صدارة المحادثات سيأتي ملف حصرية السلاح، إذ ترى واشنطن أن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا بحصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية، فيما سيؤكد عون أن معالجة هذا الملف تحتاج إلى مقاربة تدريجية ومدعومة دولياً، بما يحفظ السلم الأهلي ويعزز قدرات الجيش اللبناني.
ثانياً: تثبيت التفاهمات ومنع العودة إلى الحرب
إذا كانت الأشهر الماضية قد شهدت التوصل إلى صيغة أوقفت الحرب ووضعت أسس ترتيبات أمنية جديدة، فإن لقاء واشنطن قد يشكل محطة لترسيخ هذه الصيغة سياسياً. وقد يسعى لبنان للحصول على ضمانات أميركية واضحة بشأن استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي لا تزال موضع نزاع، وتثبيت وقف إطلاق النار بصورة نهائية، واستمرار عمل آلية المراقبة الدولية، ومنع أي تصعيد يعيد البلاد إلى دائرة الحرب.
ثالثاً: الإعمار والاقتصاد والعلاقة العربية
يصعب فصل الأمن عن الاقتصاد. فالولايات المتحدة تدرك أن انهيار الاقتصاد اللبناني سيعيد إنتاج عدم الاستقرار، لذلك قد تشكل الزيارة مناسبة لإطلاق مسار اقتصادي جديد يشمل تشجيع المؤسسات المالية الدولية على دعم لبنان، وتحفيز الاستثمارات الأميركية والخليجية، ودعم مشاريع الطاقة والبنى التحتية، ومساعدة لبنان في استثمار موارده البحرية. وقد تكون الرسالة الأميركية الأساسية أن الدعم المالي لن يكون مفتوحاً من دون إصلاحات فعلية ومكافحة جدية للفساد.
كما تحمل الزيارة بعداً عربياً، إذ قد ينعكس أي تقارب أميركي مع لبنان إيجاباً على علاقات بيروت مع الدول الخليجية، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، التي تنتظر إشارات واضحة إلى أن لبنان دخل فعلاً مرحلة الدولة والمؤسسات.
رابعاً: ماذا يريد ترامب وماذا يريد لبنان؟
من جهة الإدارة الأميركية، تبدو الأهداف واضحة: تثبيت نجاح المسار الذي أنهى الحرب، تعزيز دور الجيش اللبناني، الحد من النفوذ الإيراني داخل لبنان، منع اندلاع مواجهة جديدة على الحدود الشمالية لإسرائيل، وإظهار نجاح دبلوماسي جديد في الشرق الأوسط. أما بالنسبة لترامب شخصياً، فإن استقرار لبنان يمكن أن يقدم بوصفه نموذجاً لسياسة تقوم على الجمع بين الردع والتفاوض، وهو ما ينسجم مع نهجه في إدارة ملفات المنطقة.
أما لبنان، فيحتاج إلى أكثر من صور تذكارية في البيت الأبيض. هو يحتاج إلى ضمانات أمنية، ودعم اقتصادي، واستثمارات، ومساعدة في إعادة الإعمار، وتعزيز قدرات الجيش، وحماية الاستقرار الداخلي، إلى جانب تثبيت موقعه كشريك موثوق للمجتمع الدولي، لا كساحة صراع بين القوى الإقليمية.
التحديات
ورغم أهمية الزيارة، فإن سقف التوقعات يجب أن يبقى واقعياً. فالولايات المتحدة لن تقدم شيكاً على بياض، كما أن تنفيذ أي تفاهمات سيبقى مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ الإصلاحات وبحسم الملفات الخلافية الداخلية، وفي مقدمتها استكمال بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. كما أن أي تعثر في تنفيذ الالتزامات قد يؤدي إلى تباطؤ الدعم الدولي، ويعيد لبنان إلى دائرة الضغوط والعقوبات.
قد تكون زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن واحدة من أهم المحطات الدبلوماسية منذ سنوات، لأنها تأتي في لحظة يعاد فيها رسم التوازنات في الشرق الأوسط، ويعاد تعريف موقع لبنان داخلها. نجاح الزيارة لن يقاس بعدد البيانات المشتركة أو حرارة الاستقبال في البيت الأبيض، بل بما إذا كانت ستترجم إلى نتائج ملموسة: تثبيت الأمن، تعزيز سيادة الدولة، استقطاب الاستثمارات، وإعادة إدماج لبنان في محيطه العربي والدولي.
فإذا استطاع الرئيس عون العودة من واشنطن حاملاً التزامات واضحة وجدولاً زمنياً للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، فقد تكون هذه الزيارة بداية مرحلة جديدة ينتقل فيها لبنان من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة. أما إذا بقيت الزيارة في إطار الرمزية الدبلوماسية، فستضاف إلى سلسلة المحطات التي رفعت سقف الآمال من دون أن تغيّر الواقع.