كبريال مراد

عدوان لـ"نداء الوطن": الإقرار انجاز تشريعي للبنان

هل يطوي لبنان عقوبة الإعدام؟

4 دقائق للقراءة
الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة هي البديل المطروح

يعود اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام إلى الواجهة التشريعية اليوم، مع مناقشته في اللجان النيابية المشتركة، تمهيداً لإحالته إلى الهيئة العامة ضمن جلسة تشريعية مرتقبة الأسبوع المقبل، في خطوة قد تضع لبنان أمام أحد أبرز التحولات في سياسته الجزائية منذ عقود.

واللافت أن انعقاد اللجان يأتي بعد مشاركة وزير العدل عادل نصار ووفد نيابي في أعمال المؤتمر العالمي التاسع لمناهضة عقوبة الإعدام الذي افتتحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في العاصمة الفرنسية باريس، بمشاركة أكثر من 1500 شخصية من نحو 100 دولة وجنسية، في أكبر تجمع دولي مخصص لمناهضة عقوبة الإعدام وتعزيز منظومة حقوق الإنسان.

الاقتراح لا ينطلق من فراغ، بل من واقع قائم منذ سنوات. فعلى الرغم من بقاء عقوبة الإعدام منصوصاً عليها في عدد من مواد قانون العقوبات، فإن الدولة اللبنانية امتنعت عملياً عن تنفيذها، فتحولت إلى عقوبة قائمة في النص وغائبة في التطبيق، ما خلق فجوة بين التشريع والممارسة القضائية.

هذا الواقع دفع إلى إعادة طرح مسألة مواءمة القانون مع التطبيق، ولكن من دون المساس بحق المجتمع في الحماية أو التخفيف من مستوى الردع في الجرائم الأكثر خطورة. لذلك، لم يقتصر الاقتراح على إلغاء عقوبة الإعدام، بل استحدث عقوبة جديدة هي الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، لتحل محلها وتحافظ على الهرمية العقابية التي يقوم عليها القانون الجزائي.

ويؤكد معدّو الاقتراح أن العقوبة المستحدثة تختلف عن الأشغال الشاقة المؤبدة العادية من حيث نظامها القانوني وشروط تخفيضها، بما يبقي العقوبة الأشد مخصصة للجرائم الأشد خطورة، ويمنع أي فراغ أو تراجع في فلسفة الردع التي يقوم عليها التشريع الجزائي.

وتستند هذه المقاربة إلى تطور شهدته تشريعات دول عديدة، اختارت إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بعقوبات سالبة للحرية، انسجاماً مع مبادئ حقوق الإنسان، مع الإبقاء على حماية المجتمع ومحاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى بأشد العقوبات الممكنة.

لكن، بعيداً من الاعتبارات القانونية، يبقى البعد السياسي حاضراً بقوة. فملف عقوبة الإعدام لطالما انقسمت حوله الكتل النيابية بين من يعتبر إلغاءها استكمالاً لمسار احترام الحق في الحياة، ومن يرى أن الإبقاء عليها ضروري في مواجهة الجرائم الإرهابية وجرائم القتل التي تهدد الأمن العام.

وفي موازاة النقاش الحقوقي، يحرص مؤيدو الاقتراح على تأكيد أن إلغاء الإعدام لا يعني التساهل مع المجرمين، بل استبدال عقوبة غير مطبقة بأخرى أكثر انسجاماً مع الواقع اللبناني، مع الحفاظ على أعلى درجات الردع والعقاب.

ويعيد النقاش الحالي التذكير بأن كتلة "الجمهورية القوية" كانت قد تقدمت باقتراح مماثل عام 2011، إلا أنه اصطدم يومها برفض أكثر من كتلة نيابية، فسقط قبل أن يصل إلى الهيئة العامة. أما اليوم، فتبدو الظروف مختلفة، في ظل تغير المزاج التشريعي، واستمرار تعليق تنفيذ أحكام الإعدام عملياً، فضلاً عن ازدياد الدعوات إلى تحديث المنظومة الجزائية اللبنانية.

ويعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان في حديث لـ"نداء الوطن" أن إقرار القانون سيشكل إنجازاً تشريعياً للبنان، لأنه ينسجم مع التوجهات الحديثة في العدالة الجنائية واحترام حقوق الإنسان، من دون الإخلال بحماية المجتمع أو بالتمييز العقابي المخصص لأخطر الجرائم.

وعليه، فإن الجلسة المرتقبة لن تكون مجرد نقاش قانوني، بل اختباراً لقدرة المجلس النيابي على حسم ملف بقي معلقاً بين الاعتبارات الحقوقية والهواجس الأمنية لسنوات طويلة، فيما ستكون الكلمة الفصل للهيئة العامة إذا ما نجح الاقتراح في تجاوز محطة اللجان المشتركة. علماً أن على جدول أعمال الجلسة التشريعية المرتقبة العديد من الاقتراحات والمشاريع التي مرّت في اللجان، منها ما مرّ في لجنة المال والموازنة أخيراً ويتعلّق بالدفاع المدني والضابطة الجمركية وتعاونية موظفي الدولة ومؤسسة الإسكان، ومواضيع حياتية أخرى.