بعدما وجّهت أميركا ضربات واسعة النطاق ضدّ أهداف داخل إيران ليل الثلثاء - الأربعاء، هي الأوسع منذ بدء الهدنة، ردًّا على استهداف "الحرس الثوري" لناقلات عبر مضيق هرمز، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستوى التصعيد مع الملالي، إذ نعى مذكرة التفاهم الموقّعة بين البلدين، معتبرًا أنها "انتهت"، كما رأى أن القادة الإيرانيين "حثالة" و"مجانين" و"غير شرفاء". وهدّد بتوجيه ضربات جديدة لإيران قد تشمل البنية التحتية المدنية، بما في ذلك محطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه والجسور، كما جدّد توعّده بالاستيلاء على جزيرة خارك، بما فيها بنيتها التحتية النفطية. ولوّح بأنه قد يعيد فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، مشيرًا إلى أنه "الهدف رقم واحد" لدى الإيرانيين، بعدما برزت خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي دعوات إلى اغتيال ترامب ثأرًا.
لكن، كالعادة، ترك ترامب الباب مفتوحًا أمام إمكانية حلّ النزاع عبر المفاوضات، كما أنه قلّل لاحقًا من احتمال اندلاع الحرب مجدّدًا، لافتًا إلى أن "أي شيء سيحدث سينتهي بسرعة كبيرة... نحن لا نسعى إلى مواجهات طويلة الأمد... عندما يضربون، نضرب بقوّة أكبر بـ 10 مرّات"، بيد أنه لم يعلن تراجعه عن تهديده بضرب إيران مجدّدًا، قائلا: "نحن نستخدم لغتهم"، في وقت حضّت فيه باكستان، أميركا وإيران، على التهدئة والالتزام ببنود مذكرة التفاهم، داعية "كلّ الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس". وأكد وزيرا خارجية إيران وقطر خلال مكالمة هاتفية ضرورة استمرار التواصل والتنسيق لمنع تصعيد التوتر في المنطقة. ومساء أمس، أعلنت القيادة المركزية الأميركية بدء تنفيذ ضربات إضافية ضدّ إيران، بهدف مواصلة تقويض قدرتها على تهديد حرّية الملاحة في مضيق هرمز.
وردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على إهانات ترامب للقادة الإيرانيين بالقول: "نحن لا نردّ على الابتذال بالابتذال، بل بالفعل: بلا خوف وببسالة عظيمة". وأشار كبير المفاوضين الإيرانيين، رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إلى أن انتهاكات أميركا لمذكرة التفاهم شملت "انتهاك الترتيبات الإيرانية في المضيق، التهديدات المستمرّة بتنفيذ ضربات إضافية، إعادة فرض العقوبات النفطية، الهجمات على جنوب إيران، استمرار العدوان الصهيوني على لبنان". وجزم بأن "عصر التنمّر والابتزاز انتهى. إنه لا يؤدي إلى أي مكان. نحن لا نرضخ". وتعهّد مستشار المرشد الإيراني محمد مخبر بأن "إدارة مضيق هرمز ستبقى إيرانية إلى الأبد، وسيُعاقَب المسؤولون عن مقتل أعزائنا عقابًا قاسيًا".
ويأتي ذلك بعدما استهدفت قوات القيادة المركزية الأميركية ليل الثلثاء - الأربعاء أكثر من 80 هدفًا في إيران بذخائر دقيقة، ردًّا على أحدث الهجمات الإيرانية على سفن تجارية كانت تعبر هرمز. وشملت الأهداف أنظمة الدفاع الجوي، وشبكات القيادة والسيطرة، ومواقع الرادار الساحلية، والقدرات الصاروخية المضادّة للسفن، وأكثر من 60 زورقًا صغيرًا تابعًا لـ "الحرس الثوري" في المضيق وبالقرب منه. وكشف ترامب أن الضربات شملت أهدافًا في جزيرة خارك، لكن ليس منشآتها النفطية. وأفاد الجيش الإيراني بمقتل ثمانية من جنوده في هجمات أميركية على مناطق في جنوب البلاد. وردّت إيران على الضربات الأميركية باستهداف الكويت والبحرين، إذ أفادت الكويت بأنها اعترضت بنجاح صاروخين باليستيين و13 مسيّرة. كما اعترضت البحرين عددًا من الاعتداءات الجوية الإيرانية.
في الغضون، التقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان نظيره العُماني بدر البوسعيدي في مسقط، حيث ناقشا التطوّرات المتعلّقة بهرمز، مؤكدين أهمية الحفاظ على أمن الممرات المائية، وضمان حرّية الملاحة فيها، ودعم الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وتسوية النزاعات عبر الحوار والوسائل السلمية.
تزامنًا، أكد قادة حلف "الناتو"، في بيانهم الختامي عقب قمتهم في أنقرة، مواصلتهم "الاستجابة والتكيّف مع المنافسة الاستراتيجية، وعدم الاستقرار الواسع النطاق، والتهديدات الهجينة، والصدمات المتكرّرة التي تحدّد بيئتنا الأمنية الأوسع"، مشدّدين على أن "إيران يجب ألّا تمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا". ودعوا طهران إلى "الاحترام الكامل لحرّية الملاحة" في هرمز.
وفي ما يتعلّق بتشييع خامنئي، خرج الآلاف إلى شوارع مدينتي النجف وكربلاء العراقيتين للمشاركة في التشييع. ورفع المشيّعون صورًا كبيرة لخامنئي وردّدوا هتافات "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل". ورفرفت الأعلام العراقية والإيرانية فوق الحشود إلى جانب لافتات أظهرت وجود الميليشيات العراقية المدعومة من طهران، التي انضمّ أنصارها إلى المراسم. ومن المقرّر أن تُختتم مراسم التشييع بدفن خامنئي في مسقط رأسه في مشهد اليوم. بالتوازي، وافق العراق على ضوابط جديدة تهدف إلى منع تدفّق الدولارات الأميركية إلى إيران وحلفائها من الميليشيات، في مقابل أن ترفع إدارة ترامب تعليقًا استمرّ أربعة أشهر لشحنات العملة الأميركية إلى بغداد، بحسب ما أفاد مسؤولون أميركيون وعراقيون لصحيفة "وول ستريت جورنال".