يشكّل بند "المناطق التجريبية" أو ما يُسمّى أيضاً بـ"المناطق النموذجية" أحد العناصر التي تضمنتها صيغة الإطار ويقوم على آلية مرحلية تبدأ بانسحاب الجيش الإسرائيلي من منطقتين محددتين، يتولى الجيش اللبناني الانتشار فيهما.
في القراءة السياسية لهذا البند، يمكن اعتباره مكسباً حققته الشرعية اللبنانية إذ يفتح الباب أمام استعادة أراضٍ كانت خاضعة للاحتلال الإسرائيلي عبر آلية واضحة تربط الانسحاب الإسرائيلي بتسلّم الجيش اللبناني مسؤولية بسط سلطتها على تلك المناطق.
كما أن الاتفاق لا يتعامل مع هذه الخطوة باعتبارها خطوة وحيدة بل ينص على أنها مرحلة أولى ذات طابع اختباري. فإذا أثبتت المرحلة الأولى من "المناطق التجريبية" نجاحها على الأرض، تتحول إلى نموذج قابل للتوسع، بما يمهّد لانسحابات إضافية واستكمال استعادة بقيّة المناطق وفق الآلية نفسها.
لا شك أن هذا البند يمنح الشرعية اللبنانية دفعة سياسية ومعنوية، ويقدّم نموذجاً عملياً يؤكد أن الطريق إلى انسحاب إسرائيل وترسيخ الاستقرار يمر عبر مؤسسات الدولة اللبنانية وشرعيتها. وفي مقابل هذا المسار هناك خيار سلاح "حزب الله"، الذي لم يؤدِّ، وفق الوقائع، إلى تثبيت معادلة الاستقرار، بل أفضى إلى حرب مدمرة خلّفت خسائر جسيمة، وانتهت إلى واقعٍ أعاد الاحتلال إلى أجزاء من الأراضي اللبنانية.
سياسياً، يمكن اعتبار بند "المناطق التجريبية" نقطة تُسجل لصالح الشرعية اللبنانية، باعتباره يعطي دفعة معنوية للشرعية في الداخل اللبناني، يكرّس دورها في إدارة مرحلة الانسحاب الإسرائيلي. لكن السؤال الجوهري: هل سيقود هذا المسار فعلاً إلى انسحاب إسرائيلي كامل وإلى استقرار مستدام، بمعزل عن مصير سلاح "حزب الله"؟
حتى لو نجحت المرحلة الأولى من تجربة "المناطق التجريبية" وانتقل الاتفاق إلى مناطق أخرى، تبقى هناك حقائق يصعب تجاوزها.
أولاً، من غير المتوقع أن تنسحب إسرائيل، ضمن هذه الآلية، من مناطق تعتبرها ذات أهمية أمنية مباشرة، أو من مواقع قد ترى أن عودة عناصر "حزب الله" إليها تشكل تهديداً جدياً لسكان شمالها. وعليه، فأي انسحابات محتملة ستقتصر، على الأرجح، على مناطق لا تمس جوهر الحسابات الأمنية الإسرائيلية، بل تقع في هامشها.
ثانياً، والأهم، يصعب تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل إلى الحدود الدولية المعترف بها، ما دام "حزب الله" يحتفظ بسلاحه وبنيته العسكرية خارج إطار الدولة. هذه ثابتة استراتيجية بالنسبة لإسرائيل تكرست بعد السابع من تشرين الأول 2023.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن ما أتت به صيغة الإطار، لناحية اعتماد آلية "المناطق التجريبية" لتحقيق انسحابات إسرائيلية من الأراضي اللبنانية، يشكّل مكسباً سياسياً ومعنوياً للشرعية اللبنانية أكثر مما يمثّل حلاً نهائياً للنزاع. فهو يرسّخ دور الدولة بوصفها الجهة المخوّلة إدارة ملف السيادة واستعادة الأراضي، لكنه لا يعالج الأسباب البنيوية التي تجعل الانسحاب الشامل والاستقرار الدائم أمراً مؤجلاً.
أما الوصول إلى انسحاب إسرائيلي كامل حتى الحدود الدولية المعترف بها، وإرساء استقرار مستدام في الجنوب، فيبقى مرتبطاً بمعالجة أصل الإشكالية، أي تفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله" عندها فقط تصبح الدولة اللبنانية الجهة الوحيدة المحتكرة لاستخدام القوة بما يوفّر الأساس السياسي والأمني لإقفال هذا الملف بصورة نهائية.