أورور كرم

واشنطن وطهران... المتحرّك هو الثابت الوحيد

3 دقائق للقراءة
من الصعب التعامل مع مواقف ترامب باعتبارها قواعد ثابتة (أ ف ب)

يُجمع الخصوم قبل الحلفاء على أن الإيرانيين يمتلكون واحدة من أكثر المدارس التفاوضية احترافًا في العالم، والدليل كان ما جاء على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما قال إنهم مفاوضون رائعون لكنهم مقاتلون سيّئون. فحتى أكثر خصوم طهران يعترفون بقدرتها على كسب الوقت وإدارة الجولات التفاوضية واستغلال التفاصيل لتحقيق مكاسب سياسية. إلا أن هذه المهارة كثيرًا ما تصطدم في النهاية بحائط مسدود، ليس بسبب ضعف أدوات التفاوض، بل نتيجة خلل في قراءة الطرف المقابل.

في السياسة، لا يكفي أن تعرف كيف تفاوض، بل يجب أن تعرف على أي فرضيات تبني تفاوضك. ويبدو أن هذا تحديدًا هو الخطأ الذي وقعت فيه طهران في تعاملها مع ترامب. فقد انطلقت القيادة الإيرانية من قناعة بأن الرئيس الأميركي محاصر داخليًا، وبأن الشارع الأميركي لا يريد حربًا جديدة في الشرق الأوسط، وبأن أي تصعيد عسكري سيؤثر في شعبيته. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه القراءة إلى ما يشبه الحقيقة المطلقة في الحسابات الإيرانية، رغم أنها في الواقع لم تكن سوى معطى متغيّر يخضع للتبدّل وفقًا للظروف السياسية.

وبناءً على هذا التقدير، رفعت إيران سقف رهاناتها. تعاملت مع مضيق هرمز كورقة ضغط، ولوّحت باستخدامها في مواجهة المجتمع الدولي، واعتبرت أن واشنطن لن تذهب بعيدًا في الردّ لأن ترامب، وفق حساباتها، يريد تجنّب الحرب بأي ثمن. لكن المشكلة أن هذه الفرضية لم تكن ثابتة، بل كانت مرتبطة بشخصية رئيس اشتهر بتغيير مواقفه بصورة مفاجئة، وبقدرته على الانتقال من التهديد إلى التفاوض، ومن التصعيد إلى التراجع، والعكس تمامًا، خلال فترة زمنية قصيرة.

من يتابع مسيرة ترامب السياسية يدرك أنه من الصعب التعامل مع مواقفه باعتبارها قواعد ثابتة. علاقة ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي خير مثال على ذلك. فقد شهدت فترات من الدعم غير المحدود، تخلّلتها أيضًا انتقادات علنية وخلافات حادة. كما أن تعامله مع الرئيس الأوكراني أظهر النمط نفسه، إذ انتقل من ممارسة ضغوط كبيرة عليه إلى اتخاذ قرارات دعمت كييف عسكريًا عندما رأى أن ذلك يخدم مصالحه. هذا "التذبذب" ليس استثناء في أسلوب ترامب، بل هو جزء من طريقته في إدارة الملفات، بحيث يستخدم عدم القدرة على التنبؤ كسلاح تفاوضي بحدّ ذاته.

المفارقة أن الإيرانيين، رغم خبرتهم الطويلة في إدارة الأزمات، وقعوا أكثر من مرّة في فخ التعامل مع متغيّرات سياسية على أنها ثوابت. ففي بدايات الحرب في غزة، راهنت طهران على أن الولايات المتحدة ستمنع توسّع المواجهة إلى حرب إقليمية، وأنها ستفرض قيودًا صارمة على إسرائيل، ولا سيّما في الجبهة اللبنانية. غير أن التطوّرات الميدانية أثبتت أن تلك الحسابات لم تكن دقيقة، وأن الوقائع يمكن أن تتغيّر بسرعة عندما تتبدّل الأولويات الأميركية.

وتكرّر المشهد لاحقًا مع إدارة ترامب، عندما اعتقدت طهران أن الخشية الأميركية من حرب إقليمية ستمنع أي ضربة عسكرية مباشرة، ثمّ فوجئت بأن الحسابات تبدّلت. وبعد ذلك، راهنت مجدّدًا على أن أي تصعيد جديد أصبح مستبعدًا، لتكتشف مرّة أخرى أن تقديرها لم يكن في محلّه.

الخلاصة اليوم أن المشكلة الإيرانية لا تكمن في ضعف القدرة على التفاوض، بل في سوء تقدير نقطة الانطلاق. فنجاح أي مفاوض لا يرتبط فقط بمهارته في إدارة الجلسات أو كسب الوقت، بل أيضًا بقدرته على التمييز بين ما هو ثابت وما هو متحرّك في شخصية خصمه وحساباته. ويبدو أن طهران، رغم خبرتها التفاوضية الطويلة، ما زالت تخطئ أحيانًا في هذا التقدير، وهو خطأ قد تكون كلفته السياسية والاستراتيجية أكبر بكثير من أي تنازل يمكن أن يُقدّم على طاولة المفاوضات.