في اللحظة التي أراد فيها نظام ولاية الفقيه أن يحوّل دفن جثة خامنئي إلى استعراض للهيبة والخضوع، جاء الرد من قلب مدينة مشهد، المدينة التي اختارها النظام لتكون إحدى محطات جنازته السياسية. ففي يوم الخميس 9 تموز 2026، وبينما كانت أجهزة النظام وعناصره منشغلة بمراسم الطواف بالجثة وفرض أجواء الحداد الرسمي، دوّت في شوارع مدينة مشهد شعارات صريحة كسرت المشهد المفروض: "لعنة على خامنئي… تحية لرجوي".
يوثّق الفيديو المرفق حدثاً ذا دلالة سياسية بالغة. فبحسب العناوين الظاهرة في الفيديو، جرى بثّ الشعار في ساحة 15 خرداد عند بداية شارع خرمشهر في مدينة مشهد، في الساعة 5:15 مساءً، كما جرى بثّه أيضاً قرب سوق رضا في الساعة الخامسة مساءً، أي في التوقيت نفسه تقريباً الذي كان النظام يحاول فيه فرض صورة الحزن والخضوع حول جثة خامنئي. لكن ما حدث جاء عكس ما أراده النظام تماماً؛ فبدلاً من صوت الطاعة، ارتفع صوت اللعنة على خامنئي والتحية لرجوي.
هذه ليست واقعة رمزية عابرة، بل ضربة سياسية ونفسية في المكان والزمان الأكثر حساسية. فـمدينة مشهد، التي أرادها النظام محطة لإغلاق ملف خامنئي وإضفاء طابع ديني وسياسي على جنازته، تحوّلت في تلك اللحظات إلى منصة احتجاجية مفتوحة. والشعار لم يكن غامضاً ولا قابلاً للتأويل؛ فقد جمع بين إدانة رأس نظام القمع والقتل، وبين تأكيد حضور المقاومة الإيرانية وقيادتها في وعي الشارع الإيراني.
وتكمن أهمية هذه العملية في أن كسر الصمت تم تحت أعين الأجهزة الأمنية، وفي قلب مدينة كانت تعيش حالة استنفار قصوى. فحين تتمكن وحدات المقاومة من بثّ هذا الشعار في ذروة الإجراءات الأمنية، فإن ذلك يعني أن النظام لم يعد قادراً، حتى في يوم جنازته الكبرى، على التحكم الكامل بالصوت العام. كان يريد أن يسمع الناس بكاءً مصطنعاً حول الجثة، فإذا بصوت المقاومة يخترق المشهد ليقول إن خامنئي لا يُودَّع بالولاء، بل يُلاحَق باللعنة.
وتزداد دلالة هذا الحدث إذا نُظر إليه ضمن سياق أوسع من المواجهة الجارية داخل إيران. ففي الفترة نفسها، تلقى النظام ضربة إلكترونية واسعة داخل الجامعات، عبر استبدال صفحات مئات المواقع الجامعية برسائل مؤيدة للمقاومة، ليأتي صوت الشارع في مدينة مشهد مؤكداً أن المواجهة لا تجري في فضاء واحد فقط. فالرسالة لم تعد إلكترونية وحدها، ولا إعلامية وحدها، بل هي امتداد لشبكة مقاومة تتحرك في الجامعة، والشارع، والمدينة، والفضاء الرقمي.
إن مدينة مشهد التي أراد النظام أن يجعلها مسرحاً لطواف الجثة، شهدت في المقابل صوتاً سياسياً واضحاً: لا شرعية لمن حكم إيران بالقتل والقمع، ولا نهاية لهذا النظام إلا على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.