بول عنداري

«أما آن الأوان»؟

4 دقائق للقراءة
نحن بحاجة إلى أن نعيش جميعًا بسلام

صرخة أطلقها الكاتب والصحافي جهاد الزين منذ أربع وأربعين سنة، ويطلقها اللبنانيون، ولا سيما في هذه الأيام. أما آن الأوان أن نعيش بلا حروب؟ بلا قتلٍ وتهجيرٍ وتدمير؟ أما آن الأوان أن يكون لنا نظام يعكس بصدق الواقع المجتمعي الحقيقي للبنان؟ أما آن الأوان أن تكون لنا دولة تحمي أمن جميع أبنائها وكرامتهم، ولا تنهار أو تسقط عند أول هبّة ريح؟

ما كتبته عن معركة شكا لم يكن للاستذكار فحسب، بل للحؤول دون تكرارها، ولوقف مسلسل الحروب المتلاحقة المستمر منذ أكثر من خمسين سنة. والظرف الذي كتب فيه جهاد الزين مقالته عام 1982 يشبه تمامًا الظرف الذي نمرّ به اليوم. وهذا عنوانها ومضمونها:

«وحدة لبنان وتعددية الصيغة»

… أمّا آن الأوان لكي نخترق عقدة الذنب هذه عبر طرح سياسي يُلغي معيار «الخطيئة» التي تتحكّم بعلاقة الطوائف اللبنانية بعضها بالبعض؟ أي أمّا آن الأوان وبعد كل الظروف والتجارب التي مرّ فيها البلد والتي دفعت تجربة الوحدة والانقسام إلى أبعد درجاتها أن يُعاد النظر لمفهوم الوحدة اللبنانية حيث يُستبعد مفهوم الوحدة الانصهارية لصالح مفهوم الوحدة التعددية التي تعكس فعلاً الواقع الحقيقي للبنان وحركة طوائفه غير القابلة بالانصهار بعضها البعض بل التي لا يمكن لها أن تنصهر.

يجب أن نُسجّل هنا وبإنصاف تاريخي أن ما تُسمّى بـ»المارونية السياسية» كانت السبّاقة إلى إعلان ذلك عبر المقرّرات الشهيرة لخلوة سيدة البير التي عقدتها الجبهة اللبنانية في أواخر العام 1976 والتي دعت إلى التعددية الحضارية في لبنان.

لسنا طبعًا من الذين يسلّمون بأن التعدد في لبنان هو بين مجموعة «حضارات» مختلفة تمام الاختلاف، ولكن الأساس في دعوة الجبهة المذكورة هو بالضبط اعترافها وقبولها بـ»التعددية». فالدعوة هنا تصدر عن الطائفة الأقوى في التركيبة السياسية اللبنانية والطائفة التي تشكّل حولها الكيان اللبناني إن في صيغته عام 1860 أو في صيغة 1920.

تعددية طوائف؟ تعددية حضارات؟ ليس المهم في ما يطرحه الوضع السياسي الراهن في لبنان الصفة الجوهرية للتعدد، بل وجود التعدد نفسه كمعطى رئيسي للوضع اللبناني، حيث لم يعد بالإمكان البحث عن صيغة مستقرة لهذا الوضع إلا على أساس التعدد. فلِماذا الإصرار على وحدة انصهارية غير ممكنة في حين أن التجربة نضجت إلى الحد الذي يمكن ويجب العمل فيه على بناء صيغة مستقرة لعلاقات الطوائف تأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها؟

ثمّة نموذج خلّاق في التاريخ المعاصر لا يزال ماثلا أمامنا بقوة ويجمع بين الكيان القوي الثابت والتعدد الداخلي غير الانصهاري، هو النموذج السويسري. وقد استطاع هذا النموذج أن يحفظ نفسه بعيدًا عن صراعات القارة الأوروبية التي يقع في وسطها رغم أنه يضم مجموعات من القوميات نفسها التي تناحرت في حربين عالميتين فضلا عن حروب ثنائية أخرى. ولم يكن السبب في ذلك أن فرنسيّي سويسرا أصبحوا «ألمانًا» أو أن ألمان سويسرا رضخوا للثقافة الإيطالية، بالعكس، فإن سويسرا وفرنسييها وإيطالييها يعيشون كمجموعات مستقلة في ثقافتها ومناطقها عبر صيغة حفظت الكيان السويسري بشكل متماسك وترعى تعدديته في آن معاً.

لماذا إذن هاجس الانصهارية غير الممكن تاريخيًّا وثقافيًّا فيما بالإمكان أن يتحوَّل لبنان إلى كيان متماسك في إطار تعددي؟

ربما كانت التعددية هي الشكل الوحيد المتاح لاستعادة وحدة البلد وبنائها على أساس متين. في ظل المثالية المأساوية التي لا تزال تتحكم برغباتنا في الوحدة الانصهارية التي لا يؤمن بها في العمق دعاتها الأكثر ضجيجاً.

( جهاد الزين، جريدة السفير، 18 تشرين الثاني 1982)

وبدلا من أن تصبح هذه الصيغة التعددية، التي طالب بها مسيحيون ومسلمون، صيغةَ النظام اللبناني البديلة للحرب، جرى العكس تمامًا، إذ أُعيد فرض الصيغة الانصهارية على «طوائفه غير القابلة للانصهار، بل التي لا يمكن لها أن تنصهر». وأُعيد فرض صيغة الحروب المتلاحقة وما ينتج عنها من قتل وتهجير وتدمير، رغم أنف الحقيقة المجتمعية في لبنان.

تعدديةٌ في وحدة وطنٍ، محايد، بضمانةٍ من جامعة الدول العربية والأمم المتحدة.

هذا ما نحن بحاجة إليه انطلاقًا من التركيبة الطائفية للبنان ومن كل التجارب المؤلمة التي مررنا بها.

نحن بحاجة إلى أن نعيش جميعًا بسلام.