صدر أخيرًا عن "دار سائر المشرق" كتاب: "ما خلف أبواب الحرب الباردة: مذكرات دبلوماسي سوفياتي خدم في الشرق الأوسط وواشنطن". وفيه يكشف الكاتب السياسي يوسف مرتضى، مع فيتشيسلاف ماتوزوف، خلفيات وتداعيات أحداث شهدها العالم في مرحلة "الحرب الباردة"، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط. تكمن أهمية هذا الكتاب فيما يتضمنه من معلومات يرويها ماتوزوف، الذي لعب دورًا بارزًا على مدى أربعين عامًا في "القسم العربي للعلاقات الدولية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي"، وكان مسؤولا بشكل خاص عن ملفَّي لبنان وفلسطين.
هنا فصل من الكتاب، حين كان ماتوزوف خلال سبعينات القرن الماضي ملحقًا ثقافيًا في سفارة بلاده في بيروت.
"قبل الحرب الأهلية، كان يُشبّه لبنان بـ "سويسرا الشرق الأوسط". وبعد سنوات عديدة، زرتُ سويسرا، وبمقارنة بين مستوى المعيشة في "سويسرا الشرق الأوسط" و "سويسرا الأوروبية"، أستطيع القول إن بيروت كانت تتفوّق عليها في أمور كثيرة.
تخيّلوا صخب الحياة في كل مكان في بيروت: مقاهٍ لا تُحصى، أكبر كازينو في الشرق الأوسط في جونية، قطاع مصرفي متطوّر، ومستوى معيشة مرتفع عمومًا. لبنان بلد جميل أحبّته العائلات الثرية من دول الخليج العربي، فكانت تأتي لقضاء عطلاتها فيه خلال فصل الصيف. وعلى الطرق الجبلية وفي بيروت، كان عدد السيارات القادمة من دول الخليج العربي يفوق عدد السيارات اللبنانية.
لم يكن مستغربًا أن يرتدي سكان بيروت أحدث صيحات الموضة الأوروبية. حتى إننا كنا نمزح قائلين إن أنماط الملابس تظهر أولا في بيروت ثم تُقلّد في باريس.
لبنان بلد صغير المساحة، الأمر الذي أتاح لي فرصة التجوّل في مختلف أنحائه، حيث زرتُ كل مدينة فيه. واكتشفت أن مستوى المعيشة في المدن اللبنانية الأخرى كان مماثلا تقريبًا لمستوى المعيشة في العاصمة، مع الإشارة إلى أن الحياة في المناطق الريفية، ولا سيما في جنوب لبنان، كانت أقل ثراءً بعض الشيء.
كنتُ أسافر كثيرًا بالسيارة إلى الدولتَين العربيّتَين المجاورتَين، سوريا والأردن. لم تكن المسافات التي تفصل بينها شاسعة، لكن الاختلاف بينهما وبين لبنان كان ملحوظًا بشكل جلي.
امتدت خدمتي في لبنان أربع سنوات، من عام 1970 إلى عام 1974، وكانت، من دون مبالغة، من وجهة نظري تمثل العصر الذهبي للبنان. لم تكن بيروت مجرد مدينة، بل كانت المركز النابض بالحياة للمنطقة بأسرها: المصارف، والمعلومات، والدعاية. وبالطبع كانت مركز جميع أجهزة الاستخبارات العالمية التي تركّز نشاطها على الشرق الأوسط.
[...] بالطبع، تابعتُ الوضع في إيران، لكنني أكرّر أن تركيزي الأساسي كان على لبنان وفلسطين. لذلك، سأواصل سرد قصتي حول هذا الموضوع تحديدًا.
غادر عرفات لبنان في عام 1982، واتخذ من تونس مقرًا له. يُعتقد غالبًا أن هذا حدث تحت ضغط من إسرائيل، لكن في الحقيقة جاء الضغط من سوريا عليه. ولذلك كان عاتبًا جدًا على موسكو لعدم تدخلها في كبح جماح دمشق ضده.
كانت لدى عرفات أسباب أخرى لعدم رضاه عن سياسة الاتحاد السوفياتي. صحيح أننا كنا قد طوّرنا علاقاتنا السياسية مع "حركة فتح" التي كان يتزعمها، لكن من حيث الدعم المادي والعسكري لم نولها اهتمامًا كافيًا مقارنة بالهياكل الفلسطينية الأخرى.
كانت "حركة فتح" في المقام الأول تحت رعاية مصر ودول الخليج العربي. وحاولت كل من الجزائر وليبيا، في عهد القذافي، التأثير على ياسر عرفات بأموالهما وطموحاتهما. وتنافست تيارات مختلفة داخل الحركة الفلسطينية آنذاك، وفي الوقت نفسه كان هناك صراع داخل قيادة "الحزب الشيوعي السوفياتي" حيال تلك التيارات.
في مطلع ثمانينات القرن العشرين، نشطت جماعة "الإخوان المسلمين" في سوريا، وهي منظمة أنشأتها المخابرات البريطانية في ثلاثينات القرن العشرين لكبح نفوذ "الكومنترن" (الأحزاب الشيوعية) في منطقة الشرق الأوسط. وكان مركز أنشطتهم في مدينة حماة السورية.
وفي عام 1982، دمّر الرئيس السوري حافظ الأسد قاعدتهم في حماة. وقد تحرك بقوة، حتى إنه استخدم المدفعية ضدهم. وفي تلك المرحلة تعرّض الخبراء السوفيات العاملون في سوريا للقتل على يد "الإخوان المسلمين" بشكل شبه يومي، ووصل الأمر بهم إلى حد اغتيال ضباط سوفيات في السوق المركزي بدمشق.
ولمتابعة هذا الأمر، أرسلت القيادة السوفياتية صديقي العزيز، الفريق روستيسلاف فاسيليفيتش يوشتشوك، من "جهاز المخابرات السوفياتية (كي جي بي)"، إلى دمشق في مهمة خاصة. والتقى بالأسد، ونقل إليه الرسالة التالية من رؤسائه: "يا فخامة الرئيس، إذا لم تتوقف عمليات قتل ضباطنا، فسنضطر إلى سحب قواتنا".
كان رد الأسد مذهلا. قال لروستيسلاف: "لقد قضيت عليهم في بلادي. وكل من يعمل هنا حاليًا منهم يأتي من الأردن. مقرّهم هناك. اذهب إلى عمّان. أعلم أنك صديق للملك حسين، واطلب من صديقك أن يطلب بدوره من "وكالة المخابرات المركزية الأميركية"، المرتبطة بجماعة "الإخوان المسلمين"، التوقف عن قتل الضباط السوفيات".
كانت الحدود السورية الأردنية شبه خالية من الحراسة، وكان من الممكن السفر من الأردن إلى سوريا عبر طرق ترابية استغلها الإرهابيون. وهكذا بدأت التعقيدات التي واجهتها الحكومة السورية تؤثر علينا.
انتقل روستيسلاف فاسيليفيتش إلى عمّان. وكان بالفعل على علاقة ودية مع الملك حسين، حيث سبق له أن شغل منصب رئيس "المخابرات الأردنية" (كان ولا يزال يعيش في الأردن الكثير من الشركس الروس). وقدّم طلبه إلى الملك، لكن رد الملك الأردني كان أكثر إثارة للدهشة، إذ قال له: "أنا ملك في مملكتي الهاشمية، وليس لي حق المساس بـ "الإخوان المسلمين". أنصحك بالتواصل مع شركائكم الأميركيين. هم وحدهم القادرون على وقف هذه المجزرة. إن كل ما يجري هو بأوامر منهم. مقرهم موجود بالقرب من ميونيخ، في الموقع نفسه الذي توجد فيه محطتا "إذاعة صوت أميركا" و"إذاعة الحرية". هناك يجلس قادة جماعة "الإخوان المسلمين"."
أروي هذه المحادثة الموثقة لفهم الكثير مما حدث ويحدث في السياسة الشرق أوسطية. فهي تظهر أن حتى الملوك لم يكونوا يتمتعون بسيادة كاملة. كان هناك مركز في واشنطن يصدر الأوامر، وكانت الجهات العملياتية تُدار من مركزها في ألمانيا. ولم يكن الإرهاب مجرد مظهر عفوي للتعصب، بل أداة محكمة يمكن تشغيلها وإيقافها حسب الرغبة.
وبالمناسبة، بعد أن دمّر الأسد معقل جماعة "الإخوان المسلمين" في مدينة حماة، لجأ أفرادها إلى مدينة طرابلس اللبنانية. وسرعان ما تحولت هذه المدينة من مدينة وطنية تضم مؤيدين لعبد الناصر إلى وكر جديد لـ "الإخوان". وشن الإرهابيون الإسلاميون غارات من هناك سعيًا للانتقام، بما في ذلك من الاتحاد السوفياتي وحلفائه.
في عام 1985، اختطف مسلحون مجهولون عددًا من موظفي السفارة السوفياتية في لبنان. وأحدهم، وهو دبلوماسي شاب حاول الفرار، قُتل على يد الإرهابيين. ودارت في حينها تكهنات بأن جماعة "الإخوان المسلمين" كانت وراء ذلك مجددًا، إلا أنّ هذه القصة كانت غامضة ومعقدة للغاية، واستمر الجدل لدينا قائمًا حول هوية الجهة التي تقف وراء هذه العملية.
إن الرواية التي رُوِّجت عن تورط قواتنا الخاصة في عملية لتحرير رهائننا، وما أُشيع عن أن هذه العملية أرعبت الزعماء الدينيين الشيعة في لبنان خشية قصف مدينة قم المقدسة في إيران إذا لم يُفرج عن الرهائن، لا تمت إلى الواقع بأي صلة. أما الذي حصل فعلا، فهو أن موسكو أجرت مفاوضات مع خاطفي الرهائن عبر تونس (مقر إقامة ياسر عرفات)، وطهران، وليس من بيروت، التي كانت تعاني وضعًا صعبًا بسبب القصف المستمر للمنطقة المحيطة بسفارتنا.
وكان موضوع المفاوضات، التي استمرت شهرًا كاملا، قضية واحدة، هي الحصول على ضمانات لحياة خاطفي الرهائن. وقد قُدِّمت هذه الضمانات. وبعد ذلك، أُنزل الأسيران، معصوبَي الأعين، حافيَين، غير حليقَين، في أرض خالية قرب السفارة، ثم تقدّما واستدعيا الحارس عند المدخل.
لماذا أشركوا عرفات في إطلاق سراح المخطوفين السوفيات؟
لأن الخاطف، عماد مغنية، كان قد عمل سابقًا ضمن حراسته. وقد حصل عرفات على رقم هاتف مغنية من موسكو للتواصل معه بصورة عاجلة، وذلك بناء على طلبنا. وأيّ تفسير آخر لهذه المكالمة غير صحيح. كما شاركت طهران في حل المشكلة نظرًا إلى دورها الفاعل في تلك السنوات في محاولات توحيد الفصائل الإسلامية السنية والشيعية في لبنان، بعد الانسحاب الفلسطيني من البلاد، ضمن منظمة واحدة تحت راية إسلامية.
وكان ممثلوها يعرفون الخاطف جيدًا، مع أنه كان شيعيًّا. وكما أظهرت الأحداث اللاحقة، كان هذا القرار صائبًا، إذ بعد عقود، في 13 شباط 2008، اغتيل عماد مغنية في وسط دمشق. وعندها فقط علمتُ رسميًّا أنه كان، طوال تلك السنوات، يرأس جهاز أمن "حزب الله"، ما يعني أنه كان على صلة بإيران أيضا.
