المحامي اسطفان عسال

العهود والمكننة... حين يصبح القانون آلة لا تُرشى

6 دقائق للقراءة
المكننة ليست مجرد مشروع تقني بل أداة تشريعية وقائية بامتياز

في بلدٍ تُقاس فيه سرعة إنجاز المعاملة بحجم "الإكرامية" المدفوعة تحت الطاولة، لم يعد الحديث عن الفساد ترفًا أخلاقيًا، بل تشخيصًا هندسيًا لخللٍ بنيوي في تصميم الدولة نفسها. فالفساد في لبنان ليس انحرافًا فرديًا عابرًا يُعالَج بحملة توعية أو خطاب رنّان، بل هو نتاجٌ طبيعي، بل حتمي، لمنظومة قانونية وإدارية صُمِّمت عن قصدٍ أو عن إهمال متراكم لتُنتج الغموض، وتمنح الموظف سلطة تقديرية مطلقة، وتُبقي المواطن رهينة توقيعٍ لا يُعرف متى يُمنح ولا لماذا يُؤجَّل.


الفساد ليس خللاً في الأخلاق بل في التصميم

حين يكون القانون غامضًا، تتحوّل كل ثغرة إلى باب. وحين تُدار المعاملة يدويًّا من مكتبٍ إلى آخر، دون أثرٍ رقمي يُحاسِب ويُوثِّق، يصبح التأخير سلعة، والتسريع رشوة، والاستثناء قاعدة. هذه ليست فرضية نظرية؛ إنها الواقع اليومي لكل مواطن يقف أمام شباك إدارة رسمية، ولكل مستثمر يحاول فهم لماذا تستغرق معاملة يمكن إنجازها إلكترونياً في دقائق، أسابيع من التنقّل والانتظار والوساطة.

المكننة، إذن، ليست مشروعًا تقنيًا تحسينيًا كما يُصوَّر أحيانًا، بل هي أداة تشريعية وقائية بامتياز: حين يُسجَّل كل طلبٍ برقم مرجعي، وتُحدَّد لكل مرحلة مهلة قانونية صارمة، وتُصبح المستندات قابلة للتحقق رقميًا بدل التزوير الورقي التقليدي، تنهار البنية التحتية التي يقوم عليها الفساد الصغير اليومي، ذلك الذي ينخر ثقة المواطن أكثر من الفساد الكبير الذي تتصدّر عناوينه الصحف.


من التجربة: حين يغيب التوثيق يغيب القانون

من موقعي في العمل القانوني والبحري، أرى يوميًّا كيف أن غياب الأتمتة في قطاعاتٍ حيوية لا يُبطئ فقط حركة الاقتصاد، بل يفتح الباب أمام تكرار الطلبات وتضارب الصلاحيات بين الوزارات المتعددة المسؤولة عن الملف الواحد.

وخير مثال على ذلك قطاعنا البحري، الذي لا يزال حتى اليوم محكومًا بقانون التجارة البحرية الصادر عام 1947، وبأنظمة مرفئية تعود إلى ستينيات القرن الماضي. فمثلا، هل يُعقل أن يكون لعربةٍ يجرّها حصانٌ قانونٌ ينظّم حوادثها، فيما يبقى يختٌ تبلغ قيمته عشرة ملايين دولار بلا قانون؟

الحل هنا ليس نظريًّا: فمنصة رقمية واحدة تُجمِّع كل الإجراءات الجمركية والملاحية والأمنية والصحية الخاصة بدخول السفينة وخروجها من المرفأ، بدل توزّعها بين عشرات المكاتب والتوقيعات المنفصلة، ليست مجرد تحديثٍ تقني، بل هي بحسب ما أكدته في كلمتي أمام مجلس النواب اللبناني خلال ورشة العمل حول تطوير الإطار التشريعي والمؤسسي للنقل البحري ضرورة تشريعية باتت مُلحّة.

فحين تُلغى نقطة التماس البشرية بين المعاملة والموظف، يُلغى معها الحافز على الرشوة والتسويف، وشخطة القلم التي تزيد أو تنقص الكمية بالأطنان.

فالورقة والقلم مفتاحا الفساد في ظل التزوير، ومثال على ذلك تزوير وثائق الولادة للحصول على الجنسية اللبنانية، إذ أوقفت مديرية أمن الدولة في الشمال أحد الأشخاص من الجنسية السورية لتزويره مستندات رسمية، وإقدامه على تسجيل ولديه من زوجته باسم صهره اللبناني، بقصد تمكينهما من الحصول على الهوية والجنسية اللبنانيتين. وبنتيجة التحقيق، تبيّن أن الطفلين مسجّلان رسميًا، ويحملان قيدين وهويتين لبنانيتين.

كما حدث مع أحد مخاتير البقاع، الذي حوّل مكتبه إلى مقر لتزوير أوراق النازحين السوريين أو الداخلين إلى البلد خلسة، وشطب هويتهم السورية، وتزوير أوراقهم الثبوتية، وإصدار بطاقات تعريف صادرة عن الجمهورية اللبنانية تُظهرهم لبنانيين مكتومي القيد. وضُبطت بحوزته مئات الأوراق التي تكشف عمليات التزوير. إنها ليست مجرد عملية تزوير، بل جريمة، والجريمة التي يرتكبها مواطن لبناني مسؤول يحمل ختم مختار هي تغيير هوية وطنه وأبنائه من أجل حفنة من المال.

يضاف إلى ذلك تعدد المرجعيات الإدارية وتداخل الاختصاصات بين وزارات عدة، بما يتعارض مع مبدأ وحدة السلطة المختصة. فالمكننة وحدها لا تكفي إن بقيت موزَّعة على خمس بوابات إلكترونية بدل بوابة واحدة، لأن الفساد، حين يُطرد من الباب الرقمي الأول، يبحث عن نافذةٍ إدارية أخرى لم تُحدَّث بعد.


ثلاثة محاور تشريعية لا مجال للتأجيل فيها

أولا، إقرار قانون إطاري للتوقيع والمستند الإلكتروني يُعطي القيمة القانونية الكاملة للمعاملة الرقمية، ويُلزم الإدارات العامة بقبولها من دون اشتراط النسخة الورقية الموازية، فالمعاملة الهجينة، الرقمية والورقية معا، تُبقي الباب مفتوحا أمام الثغرات القديمة نفسها.

ثانيًا، ربط كل معاملة إدارية بمهلة قانونية قصوى وأثر رقمي إلزامي، بحيث يتحوّل الصمت الإداري بعد انقضاء المهلة إلى موافقة ضمنية أو رفض معلّل وموثّق، لا إلى معاملة معلّقة إلى أجل غير مسمى تُدار عبر الوساطة.

ثالثًا، توحيد قواعد البيانات بين الوزارات بدل تكرار الطلب الواحد في خمس إدارات مختلفة لا تتواصل إحداها مع الأخرى، وهذا تحديدًا ما يجعل التزوير ممكنًا: فغياب المرجعية الموحّدة يعني أن لا أحد يستطيع التحقق الفوري من صحة مستند صادر عن جهة أخرى.


الثقة لا تُستجدى بل تُبنى بالنظام

المستثمر الذي يبحث عن سوق يضع أمواله فيه لا يسأل عن جمال الشعارات، بل عن شيء واحد: هل يمكنني التنبؤ بالنتيجة؟ حين تكون المعاملة رقمية، ومؤتمتة، وموثّقة، وقابلة للتدقيق، تصبح الإجابة: نعم. وحين تبقى رهينة توقيع يدوي ومزاج إداري، تبقى الإجابة: لا، مهما بلغت الحوافز الضريبية المعلَنة.

لبنان لا يحتاج اليوم إلى وعودٍ جديدة بالإصلاح، بل إلى بنية تحتية تُحوِّل الإصلاح من خطاب إلى آلية تعمل من تلقاء نفسها، بصرف النظر عمّن يجلس خلف المكتب. فالقانون العادل هو الذي لا يحتاج إلى نزاهة الموظف ليُطبَّق بعدل، بل يفرض العدل على الجميع، بمن فيهم الفاسد نفسه، لأن النظام لم يعد يترك له مجالًا للمناورة.

فمثلا، في أي إجراء يتطلب الحصول على "النشرة" في مخفر الدرك، يُضطر المواطن إلى الانتظار أكثر من ساعة، بينما يستطيع عنصر الدرك نفسه استخراجها بكبسة زر.

لنأخذ مثلا دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يستطيع المواطن تقديم طلبه بصورة عادية أو مستعجلة (Urgent): فإذا كان عاديا، ينتظر دوره الطبيعي، وإن كان مستعجلا، يدفع رسما إضافيا. هذه الطريقة تمنع الرشوة، وتغذّي الخزينة، وتسهّل معاملات المواطن ضمن إطار القانون. وفي عصر الذكاء الاصطناعي والمكننة، لم تعد الدولة بحاجة إلى هذا العدد الهائل من الموظفين الذين يشكّلون عبئا على الخزينة، فضلا عن معاناتها مع نظام "الستة والستة مكرّر".

فإمّا أن نُمكنن الدولة، وإمّا أن تبقى تُدار بالمكاتب المغلقة والأبواب التي لا تُفتح إلا بمفتاح لا يُذكر في أي قانون. ومواطن ينتظر رئيسًا بخطاب قسم عصري، فيما لا تزال القوانين من أيام الانتداب الفرنسي، فلا خلاص للبنان سوى بالمكننة وتحديث القوانين.