أمين بشير

أكره إسرائيل… لكنني أحب لبنان

4 دقائق للقراءة

قد يبدو هذا العنوان صادمًا للبعض، لكنه ليس إعلانًا لموقف سياسي بقدر ما هو دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات.

قد يكره الإنسان إسرائيل لأسباب سياسية أو تاريخية أو أخلاقية، لكن كره إسرائيل، مهما اشتد، لا يبني دولة، ولا ينهض باقتصاد، ولا يحمي مؤسسات، ولا يصنع مستقبلًا لشعب.

المشكلة في لبنان لم تكن يومًا في اختلاف اللبنانيين حول إسرائيل، بل في اختلافهم حول لبنان نفسه.

فالسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: من يحب إسرائيل ومن يكرهها؟ بل: من يحب لبنان؟ ومن يؤمن بأن هذا البلد يستحق أن يكون دولة سيدة، حرة، مستقلة، تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، ولا يُصادر قرارها أي مشروع خارجي، مهما كانت شعاراته أو مبرراته؟

الانقسام الحقيقي ليس بين من يرفع شعار العداء لإسرائيل ومن لا يرفعه، بل بين من يرى لبنان وطنًا نهائيًا يستحق أن يُبنى ويُحمى، وبين من يراه مجرد ساحة لحروب الآخرين، أو قاعدة متقدمة لمشاريع إقليمية، أو ورقة تفاوض في نزاعات تتجاوز حدوده.

لقد وُلد لبنان على فكرة استثنائية في هذه المنطقة: الحرية، والتعددية، والعيش المشترك. هذه هي هويته، وهذه هي رسالته. أما تحويله إلى مجرد وظيفة إقليمية، فهو إلغاء لفكرة لبنان نفسها، مهما كانت الذرائع والعناوين.

ومن هنا، تبرز أهمية اتفاق الإطار الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل في حزيران/يونيو 2026. وبصرف النظر عن الموقف السياسي من الاتفاق، أو عن الملاحظات والثغرات التي يمكن أن تُسجل عليه، فقد كرّس، للمرة الأولى منذ عقود، مبدأً بالغ الأهمية: أن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار في التفاوض، وفي الحرب، وفي وقفها، وفي تقرير المسار الذي يخدم مصلحتها الوطنية. وهذه هي السيادة بمعناها الحقيقي.

وقد يرفض البعض هذا الاتفاق، وقد يؤيده آخرون، وهذا حق مشروع في أي نظام ديمقراطي. لكن ما لا ينبغي الاختلاف عليه هو أن قرارًا بهذه الخطورة يجب أن يكون قرار الدولة اللبنانية وحدها، لا قرار أي تنظيم أو محور أو دولة أخرى.

وحتى لو انتهى هذا المسار، في يوم من الأيام، إلى معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل، فإن ذلك لا يعني أن اللبنانيين مطالبون بحب إسرائيل، ولا أن يتخلوا عن ذاكرتهم الوطنية أو عن قناعاتهم السياسية والأخلاقية. فالمعاهدات تنظم العلاقات بين الدول، لكنها لا تفرض المشاعر على الشعوب.

وفي أدبيات بناء السلام، يبدأ السلام بوقف القتال، ثم بإقامة ترتيبات تمنع عودة الحرب، ثم بالانتقال إلى سلام إيجابي يقوم على الاستقرار والتعاون. أما تقبل الآخر والتطبيع معه، فهما المرحلة الأخيرة من مسار طويل، ولا يفرضان بنص قانوني أو بمعاهدة، بل يرتبطان بتحولات سياسية واجتماعية وثقافية قد تستغرق سنوات طويلة، وقد لا تتحقق أصلًا.

لذلك، فإن الدفاع عن حق الدولة اللبنانية في اتخاذ قرار الحرب أو الهدنة أو السلام لا يعني الدعوة إلى حب إسرائيل، بل يعني الدفاع عن حق اللبنانيين في أن يكون قرارهم الوطني نابعًا من دولتهم وحدها، وأن يكون ولاؤهم الأول والأخير للبنان.

فالوطنية لا تُقاس بمقدار الكراهية التي نحملها تجاه الآخرين، بل بمقدار الإيمان الذي نحمله لوطننا. ولا تُقاس بعدد الشعارات، بل بقدرتنا على بناء دولة قوية، عادلة، سيدة، تحمي أبناءها وتصون مصالحهم.

قد نختلف في تقييم إسرائيل، وقد نختلف في تقييم الاتفاقات السياسية، لكن لا يجوز أن نختلف على لبنان. فهو القضية التي يجب أن تتقدم على كل القضايا، وهو الانتماء الذي يجب أن يسمو على كل الانتماءات، وهو الوطن الذي لا يجوز أن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

قد أكره إسرائيل، لكنني أحب لبنان أكثر. وأحبه بما يكفي لأرفض أن يكون وطنًا بالوكالة، أو قرارًا بالوكالة، أو حربًا بالوكالة. أحبه بما يكفي لأؤمن بأن سيادة الدولة ليست شعارًا، بل شرط وجود لبنان نفسه.