واشنطن
خيّمت مشاعر مختلطة على عالم السياسة الخارجية مع الرحيل المفاجئ للسيناتور الأميركي ليندسي غراهام. جسّدت مسيرة غراهام المهنية الممتدة لثلاثة عقود التوجّه المتشدّد (تيار "الصقور") داخل المدرسة الجمهورية للسياسة الدولية. وعكست تحرّكاته الأخيرة، مثل عودته من أوكرانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع وحشده الدعم للقوة الأميركية، إيمانه الراسخ بأن الصدقية الأميركية في الخارج يجب ألا تتزعزع أبدًا. تحدّى غراهام الثوابت الحزبية التقليدية، وبدلا من شعار "أميركا أولا"، نادى بمبدأ "أميركا ذات صدقية". ولطالما أكد أن الردع الأميركي يتطلّب عزمًا لا لبس فيه في مواجهة الخصوم، من موسكو إلى طهران، وأن الانخراط الثابت في الشؤون الدولية أمر جوهري للدفاع عن المصالح الأميركية في الداخل.
تجلّى نهج غراهام المؤيّد للتدخل الخارجي بوضوح في دعمه القوي لأوكرانيا. لم ينظر غراهام إلى الدفاع عن أوكرانيا باعتباره قضية دولية فحسب، بل كاختبار حيوي للصدقية الأميركية والوحدة الغربية. وقد وظّف مكانته في مجلسي الكونغرس وعلاقاته العابرة للانقسامات الحزبية للدفع نحو تقديم مساعدات عسكرية لكييف، حتى وإن كان ذلك ينطوي على مخاطر سياسية شخصية، متمسّكًا بمبدأ أن "كلفة التخلّي عن الحلفاء تفوق دائمًا تكلفة تقديم المساعدة".
واتسم تعامل غراهام مع الملف اللبناني بتركيز أحادي ومحوري: "حزب الله". وعلى عكس بعض الأطراف في واشنطن، لم يكن ينظر إلى السيادة اللبنانية باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل كان يرى أن مصير البلاد رهينة في يد الميليشيا المدعومة من إيران. ففي شباط الماضي، أنهى غراهام اجتماعًا بشكل مفاجئ مع قائد الجيش بعدما رفض العماد هيكل وصف "حزب الله" بأنه منظمة إرهابية. وفي نيسان الماضي، اعتبر أن أي اتفاق لوقف النار بين إسرائيل ولبنان يُبقي على ترسانة "حزب الله" من دون مساس هو أمر مرفوض تمامًا وغير قابل للتطبيق. وقال: "لا يمكن تحقيق السلام طالما أن "حزب الله" هو من يمسك بالسلاح".
ولم يكن هذا الموقف وليد اللحظة، وفق ما أفادت مصادر في الكونغرس لـ "نداء الوطن". فقد ظلّ غراهام لسنوات يجادل بأن المساعدات الأميركية للبنان يجب أن تكون مشروطة أو حتى ثانوية، مقارنة بالمساعدات لعملية نزع سلاح "حزب الله". لقد كان ينظر إلى "الحزب" بوصفه رأس حربة لإيران، وكان يحضّ الدبلوماسيين الأميركيين على التعامل مع مستقبل لبنان باعتباره أمرًا لا ينفصل عن أمن إسرائيل.
كانت إيران تمثّل، بالنسبة إلى غراهام، حجر الزاوية في حالة عدم الاستقرار التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. وكان يرى في الطموحات النووية لطهران، وبرامجها الصاروخية، وأذرعها الإقليمية تهديدًا واحدًا متكاملا. وقد عكست دعواته المتكرّرة إلى "ربط الدبلوماسية بالردع" قناعةً بأن ممارسة الضغوط، بما في ذلك اللجوء إلى القوة العسكرية، كانت أمرًا ضروريًا لكبح جماح إيران. في هذا الإطار، قالت مصادر في الكونغرس إن منطق غراهام الاستراتيجي اتسم بصرامة لا تلين، مردّدةً ما كان يقوله: "فصل الوكلاء عن الجهة الراعية لهم يغفل جوهر المسألة".
بالنسبة إلى غراهام، كان الدعم الثابت لإسرائيل يمثّل ضرورة استراتيجية ومعيارًا للعزم الأميركي؛ فقد كان يرى أن أمن إسرائيل لا ينفصل عن المصالح الأميركية، وأن التصدّي للتهديدات المدعومة من إيران يشكّل ركيزة أساسية في رؤيته لاستقرار الشرق الأوسط.
تمتّع غراهام بمزيج فريد من الخبرات القانونية والعسكرية والسياسية، بدءًا من كونه أوّل جمهوري يمثّل دائرته الانتخابية في مجلس النواب منذ حقبة "ما بعد الحرب الأهلية الأميركية وإعادة الإعمار"، وصولا إلى صعوده كأحد "صقور" السياسة الخارجية في مجلس الشيوخ. وقد منحه ذلك حنكةً مؤسسية وثقةً عابرة للحزبين، ما مكّنه من تحويل سياسة خارجية متشدّدة إلى إجراءات تشريعية ملموسة، مع الحفاظ، في الوقت ذاته، على علاقات وثيقة مع مسؤولين أميركيين، مثل الرئيس دونالد ترامب.
ومن المفارقات أن نفوذ غراهام تعاظم في الوقت الذي بدأت فيه رؤيته للعالم تفقد هيمنتها داخل حزبه؛ فبينما جنح العديد من الجمهوريين نحو الانكفاء على الذات، ظلّ هو مناصرًا ثابتًا للانخراط الدولي. ورغم أنه كان مقاتلا شرسًا في السجالات الحزبية الداخلية، إلا أن مواقفه في الشؤون الخارجية كانت أقرب إلى الليبراليين في حقبة الحرب الباردة منها إلى القوميين من أنصار شعار "لنجعل أميركا عظيمة مجدّدًا". وقد منحه استعداده لتحدّي الرؤساء الأميركيين، سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين، في قضايا الحرب والسلم، دورًا محوريًا ومؤثرًا في النقاشات المتعلّقة بالسياسة الخارجية.
ومع توالي عبارات الإشادة والتقدير، بدءًا من ترامب، الذي وصفه بأنه "رجل عظيم ووطني مخلص"، مرورًا برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي اعتبره "أحد أبرز المدافعين عن التحالف الأميركي - الإسرائيلي"، وصولا إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي قال إن "غراهام كان مدافعًا راسخًا عن الحرّية، ومناصرًا دؤوبًا لأوكرانيا"، فإن ما يبرز حقًا ليس مجرّد طول مسيرة غراهام المهنية، بل إيمانه الراسخ، الذي لم يتزعزع، بالقوة الأميركية والتحالفات ومبدأ الردع. ففي ظلّ حزب جمهوري ممزّق بشكل متزايد بين الانعزالية والانخراط الدولي، ظلّ غراهام حتى النهاية يمثّل صوت "الصقر" الأخير.