الدكتور سايد حرقص

هل تؤسس حروب الشرق الأوسط نظام العالم الجديد؟

4 دقائق للقراءة
(رويترز)

مطلع التسعينيات، وتحديداً في عام 1992، صاغ المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما أطروحته الشهيرة حول "نهاية التاريخ"، معلناً الانتصار النهائي للديمقراطية الليبرالية على الشيوعية، وأفول عصر الصراعات الكبرى. غير أن نشوة الانتصار لم تدم طويلاً؛ إذ سارع صموئيل هنتنغتون عام 1993 إلى تفكيك هذا التفاؤل، مؤكداً أن التاريخ لم ينتهِ، بل يتهيأ لجولة جديدة لن تنشب فيها الحروب بين أيديولوجيات سياسية واقتصادية، بل بين هويات حضارية وثقافية ودينية. واليوم، وبعد ما يزيد على ثلاثة عقود، يتصدر الشرق الأوسط المشهد بوصفه المختبر الأكثر واقعية وقسوة وجنون وقابلية لتفنيد هذه النظريات.

فمن غزة إلى لبنان، ومن سوريا إلى العراق، ومن اليمن إلى إيران وإسرائيل وتركيا مرورا بالدول العربية الخليجية وصولا الى أميركا، لم يعد الخطاب السائد يتحدث عن نزاعات حدودية أو تنافس سياسي فحسب، بل عن معارك وجودية تُصاغ بلغة الدين والهوية. وأصبحت مفردات مثل «الشعب المختار»، و«الأرض الموعودة»، و«المقاومة الإسلامية»، و«الدفاع عن المقدسات»، و«الطالبيين والسفيانيين» و«المواجهة الكربلائية » و«جيش المهدي»، جزءًا من الخطاب الذي يرافق الصراع ويمنحه بعدًا يتجاوز الحسابات العسكرية.

في الوقت نفسه، يواصل التيار الإنجيلي الصهيوني في الولايات المتحدة النظر إلى إسرائيل بوصفها عنصرًا محوريًا في تصوراته الدينية، الأمر الذي يمنح بعض مواقف السياسة الأميركية بعدًا عقائديًا لدى هذا التيار، إلى جانب الاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية التي تؤثر أيضًا في صناعة القرار. وفي أوروبا، تشهد دول عدة صعودًا لأحزاب قومية ومحافظة تجعل الهوية الثقافية والدينية محورًا للنقاش السياسي، بينما تواجه العلمانية الفرنسية تحديات متزايدة في ظل الجدل حول الهجرة والاندماج والدين في المجال العام.

هنا تبدو نظرية هنتنغتون «صدام الحضارات»، أكثر حضورًا. فالتفسيرات البشرية للعقائد الدينية لم تعد مجرد انتماءات ثقافية، بل تحولت إلى أدوات تعبئة سياسية، وإلى لغة تُفسَّر بها الصراعات وتُبنى عليها التحالفات.

لكن ثمة مفكرًا آخر يساعد على فهم ما يجري، هو الفيلسوف الألماني كارل شميت، الذي رأى في كتابه «مفهوم السياسي» أن جوهر السياسة يكمن في التمييز بين «الصديق» و«العدو». وتصبح السياسة أكثر خطورة عندما يتحول الخصم إلى عدو وجودي لا يمكن التعايش معه، لا سيما إذا أُضفي على هذا العداء بُعدٌ ديني مستمد من ويلات الحروب الدينية القديمة والموروثات الشعبية، مما يوقظ جنون أحقاد الماضي؛ فتخرج من أعماق التاريخ الأسود آلهة مجنونة تركب عربات من نار، فتختفي مساحة التسوية ويغدو الصراع أبديًا سرمديًا دائمًا متعلقًا بالهوية والوجود.

ولعل أخطر ما نشهده اليوم، هو تحول الخلاف السياسي إلى صراعٍ مقدسٍ، مما يؤدي إلى تراجع إمكانات التسوية، ويصبح العنف أكثر قابلية للاستمرار. فالخصم السياسي يمكن التفاوض معه، أما العدو الوجودي الذي يُعرَّف دينيًا، فيصعب الاعتراف حتى بحقه في الوجود أصلًا.

ومع ذلك، فإن اختزال كل ما يحدث في «صدام الحضارات» لا يكفي لفهم الواقع. فالدول لا تزال تتحرك وفق حسابات القوة والمصالح، كما أن التنافس على النفوذ والموارد والتكنولوجيا والممرات الاستراتيجية يظل عنصرًا أساسيًا في تفسير الأحداث. لكن الخطير هو أن هذه المصالح تُقدَّم اليوم، بلباس الهوية والدين، وهو ما يزيد النزاعات تعقيدًا ويطيل أمدها.

​منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى، لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة صراع إقليمي تقليدي، بل أصبح نقطة ارتكاز في إعادة تشكيل النظام الدولي؛ حيث تتقاطع الجغرافيا مع العقيدة، والمصلحة مع الهوية، والسياسة مع المقدس.

​ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل العالم: هل تستطيع الإنسانية إعادة السياسة إلى منطق العقل والمصلحة المشتركة، أم أنها ستستمر في استدعاء المقدس لتبرير صراعات لا تنتهي؟ ففي اللحظة التي يصبح فيها مفهوم البشر عن الله طرفًا في الحرب، يفقد الإنسان قدرته على صناعة السلام.