لم تكن ردود الفعل على أي حديث عن حصرية السلاح بيد الدولة مفاجئة. فمنذ أكثر من أربعة عقود، يتكرر الخطاب نفسه كلما اقترب لبنان من استعادة سيادته: التحذير من الفتنة، واتهام المطالبين بتطبيق الدستور باستهداف الطائفة الشيعية، والتشكيك في قدرة الدولة على حماية البلاد. غير أن هذا الخطاب يخفي حقيقة أبسط بكثير: الخوف ليس على طائفة، بل على مشروع سياسي وأمني وعقائدي نشأ قبل أربعة وأربعين عامًا، وتحول مع الزمن إلى دولة داخل الدولة.
لم تبدأ القصة مع إعلان "الرسالة المفتوحة" لـ"حزب الله" عام 1985، بل مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حزيران 1982، وجدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية فرصة لم تكن متاحة منذ قيام الثورة عام 1979. فالمبدأ الذي نص عليه دستورها، والقائم على "نصرة المستضعفين" و"تصدير الثورة الإسلامية"، وجد في لبنان البيئة المثالية لأول تجربة توسّع خارج الحدود الإيرانية. وبالتنسيق الكامل مع نظام حافظ الأسد، الذي رأى في المشروع الإيراني وسيلة لترسيخ نفوذه في لبنان ومواجهة خصومه الإقليميين، دخل مئات من عناصر "الحرس الثوري" إلى البقاع اللبناني، واتخذوا من ثكنة الشيخ عبد الله في بعلبك مركزًا لقيادتهم.
لم تكن مهمة "الحرس الثوري" محصورة في تدريب مجموعات لبنانية على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، كما جرى الترويج لاحقًا، بل كانت أوسع بكثير. فقد أوكلت إليه مهمة تأسيس جناح عسكري عقائدي يدين بالولاء المطلق لولاية الفقيه، وبناء شبكة دينية وثقافية واجتماعية وأمنية تكون امتدادًا مباشرًا لمشروع الجمهورية الإسلامية في المشرق. ومن هذه النواة خرج التنظيم الذي عُرف لاحقًا باسم "حزب الله"، ليصبح أول وأهم أذرع إيران العسكرية خارج حدودها.
ولهذا، فإن بعلبك ليست مجرد محطة في تاريخ "الحزب"، بل هي نقطة الولادة الأولى لمفهوم الدولة الموازية في لبنان. هناك، بدأت تتشكل سلطة تمتلك سلاحها، وعقيدتها، وتمويلها، ومرجعيتها السياسية والدينية خارج الدولة اللبنانية. وبرعاية حسين الموسوي، الذي انشق عن حركة "أمل"، ظهرت تجربة ما عُرف بـ"الجمهورية الإسلامية في بعلبك"، حيث فُرضت قواعد اجتماعية وأمنية جديدة، وأصبحت المرجعية الفعلية هي الثورة الإسلامية في إيران، لا مؤسسات الجمهورية اللبنانية.
ولم يكن ذلك حدثًا عابرًا فرضته ظروف الاحتلال الإسرائيلي، بل التطبيق الأول لاستراتيجية إيرانية ستتكرر لاحقًا في العراق وسوريا واليمن. فالفكرة لم تكن إنشاء تنظيم مقاوم فحسب، بل بناء قوة محلية مرتبطة عقائديًا وتنظيميًا بالحرس الثوري، تتحول إلى ذراع دائمة للنفوذ الإيراني، بحيث يبقى تأثير طهران قائمًا حتى بعد تغير الظروف التي أوجدت هذا التنظيم. ولعل المفارقة الأبرز أن الاحتلال الإسرائيلي الذي استُخدم مبررًا لولادة هذا المشروع انتهى عام 2000، بينما استمر المشروع نفسه في التوسع والتسلح والتمدد داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.
وعلى مدى العقود التالية، لم يعد المشروع مجرد تنظيم مسلح. فقد نشأت منظومة مالية ضخمة عبر "القرض الحسن"، وشبكة واسعة من المدارس والمستشفيات والجمعيات، وجهاز إعلامي، ومنظومة أمنية واستخبارية، حتى أصبح مئات آلاف اللبنانيين مرتبطين بهذه المؤسسات أكثر من ارتباطهم بالدولة نفسها. وهكذا، لم يعد السلاح سوى رأس جبل الجليد، بينما أصبح الجسم الحقيقي هو شبكة مؤسسات موازية راكمت وظائف الدولة تدريجيًا، وخلقت اقتصادًا وخدمات ومرجعيات تعمل خارج الرقابة الدستورية.
وهذا ما يفسر شراسة الاعتراض على أي حديث عن حصرية السلاح بيد الدولة. فما يتهدد اليوم ليس ترسانة عسكرية فحسب، بل منظومة متكاملة استغرق بناؤها أكثر من أربعة عقود. ولذلك، فإن تصوير المسألة على أنها استهداف للطائفة الشيعية ليس سوى محاولة لحجب جوهر المشكلة: فالصراع الحقيقي ليس بين طوائف، بل بين منطق الدولة الواحدة ومنطق الدولة الموازية.
والمفارقة أن الذين يرفعون اليوم شعار "منع الفتنة" لم يعتبروا يومًا أن قيام سلطة عسكرية وأمنية موازية داخل الدولة كان فتنة، ولا أن احتكار قرار الحرب والسلم لعقود شكّل خروجًا على الدستور والميثاق الوطني، ولا أن ربط لبنان بمحور إقليمي أوقعه في عزلة وحروب متكررة كان مساسًا بالسلم الأهلي. وكأن الفتنة لا تبدأ إلا عندما تطالب الدولة باستعادة صلاحياتها الدستورية.
ولهذا، فإن الحديث عن "الجراحة" لا يعني الدعوة إلى مواجهة عسكرية، بل إلى مسار طويل لتفكيك البنية التي سمحت بقيام الدولة الموازية. فالسلاح ليس سوى أحد مظاهر المشكلة، أما التحدي الحقيقي فيكمن في إعادة وظائف الدولة إليها: أن تكون إعادة الإعمار عبر المؤسسات الشرعية وحدها، وأن يرتبط أي دعم عربي أو دولي بإصلاحات فعلية، وأن تستعيد الإدارة اللبنانية حضورها في الجنوب والبقاع، وأن يحصل المواطن على الخدمات والضمانات من الدولة لا من أي تنظيم موازٍ. فبناء الدولة هو الطريق الوحيد الذي يجعل السلاح الموازي فاقدًا لوظيفته، لا مجرد فاقدٍ لشرعيته.
يعلمنا التاريخ اللبناني أن الحروب تنتهي، والاحتلالات ترحل، والأنظمة الإقليمية تتبدل، لكن البنى التي تنشأ في ظلها لا تسقط تلقائيًا بسقوط من أنشأها. وهذا، ربما، هو التحدي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم.