لم تعد معركة الشرق الأوسط تُحسم فقط بحجم الترسانات أو عدد الصواريخ، بل بقدرة الأطراف على فرض قواعد الردع وتحديد من يملك القدرة على تغيير موازين النفوذ. فالمنطقة تدخل مرحلة مفصلية تتراجع فيها قدرة إيران على إدارة ساحاتها التقليدية، في مقابل صعود منظومة خليجية أكثر تماسكًا تقوم على وحدة القرار، وتكامل القدرات، والانتقال من سياسة الاحتواء إلى بناء قوّة ردع جماعية.
بيان مجلس التعاون الخليجي لم يكن مجرّد موقف سياسي أو رسالة دبلوماسية، بل حمل دلالة استراتيجية تؤشّر إلى تحوّل في قواعد الأمن الإقليمي. فالتأكيد على أن أي اعتداء يستهدف إحدى دول المجلس هو اعتداء على كلّ دول الخليج، يعكس انتقالا من مفهوم التضامن السياسي إلى مبدأ الدفاع الجماعي، ورسالة واضحة بأن أمن الخليج بات يُدار ضمن منظومة مشتركة تمتلك الإرادة السياسية والقدرات الأمنية والعسكرية لمواجهة مختلف التهديدات.
ويعني هذا التحوّل أن دول الخليج انتقلت من مرحلة التعامل مع المخاطر بمنطق ردّ الفعل إلى بناء منظومة استباقية قائمة على الجاهزية الأمنية والعسكرية والاستخباراتية، وتطوير قدرات الدفاع الجوي والصاروخي والأمن البحري. كما يوجّه رسالة مباشرة إلى طهران بأن أي محاولة لاستهداف دولة خليجية لن تبقى محصورة في إطار ثنائي، بل ستواجَه بموقف خليجي موحّد يرفع كلفة أي تصعيد ويعيد رسم معادلة الردع في المنطقة.
لكن فهم التحوّل الخليجي لا يكتمل من دون قراءة الأزمة التي تواجه إيران نفسها. فالضغوط على طهران لم تعد مرتبطة فقط بالعقوبات أو المواجهات الخارجية، بل بدأت تطول أدوات النفوذ التي اعتمد عليها النظام لعقود في تثبيت حضوره الإقليمي. وهنا يبرز "الحرس الثوري" باعتباره العمود الفقري للنظام. ولأن قوة "الحرس" لا تقوم فقط على حضوره الداخلي، بل على شبكة الأدوات التي بناها إقليميًا، أصبح الحفاظ على هذه الشبكة جزءًا من معركة بقاء النفوذ الإيراني. وفي مقدّمة هذه الأدوات يبرز "حزب الله" باعتباره إحدى أهمّ أوراق طهران وأكثرها ارتباطًا باستراتيجية "الحرس".
فالعلاقة بين إيران و"حزب الله" لا تقتصر على الدعم السياسي، بل تتعدّاه إلى تعاون عسكري وأمني وتنظيمي. وكانت تفجيرات 23 تشرين الأول 1983 التي استهدفت مقرّي القوات الأميركية والفرنسية في بيروت، وأسفرت عن مقتل 241 جنديًا أميركيًا و58 جنديًا فرنسيًا، إحدى أبرز المحطات التي رسّخت الدور العسكري للحزب على المستوى الإقليمي.
ومنذ ذلك الحين، واصل النظام الإيراني تقديم دعم مالي وعسكري متصاعد لـ "حزب الله"، إذ تُقدّر المساعدات السنوية المقدّمة إليه بأكثر من 800 مليون دولار، وقد تصل في بعض التقديرات إلى مليار دولار سنويًا. كما زوّدته طهران بمختلف أنواع الأسلحة، وعملت على تطوير قدراته العسكرية، بما في ذلك إنشاء بنية تتيح تصنيع الصواريخ داخل لبنان.
ولم يقتصر الدعم الإيراني على التمويل والتسليح، بل شمل إشراف كبار قادة "الحرس" على تطوير القدرات العسكرية والتنظيمية للحزب. ومن هنا، فإن قراءة دور "حزب الله" تبقى مرتبطة بشبكة النفوذ الإيرانية الأوسع، باعتباره إحدى أبرز الأدوات التي اعتمدت عليها طهران لترسيخ حضورها الإقليمي.
في المقابل، انتقلت المواجهة مع هذا النفوذ من الساحات العسكرية التقليدية إلى المجال الأمني والمالي. فقد عزّزت دول الخليج إجراءاتها ضدّ شبكات مرتبطة بـ "حزب الله"، عبر تفكيك خلايا وشبكات اقتصادية وأمنية في الإمارات والكويت والبحرين، وملاحقة مصادر التمويل، بالتوازي مع العقوبات الأميركية والدولية التي استهدفت كيانات وقيادات وشخصيات مقرّبة من الحزب.
وفي هذا المسار، برزت التجربة الإماراتية كنموذج متقدّم في بناء معادلة الردع، بعدما اعتمدت أبوظبي استراتيجية تقوم على القوّة الدفاعية والجاهزية الأمنية والقدرة على الاستباق. فالعقيدة الدفاعية الإماراتية لا تقوم على انتظار التهديدات، بل على بناء قوّة ردع تجعل أي طرف يعيد حساباته قبل الإقدام على أي عمل عدائي، مستندة إلى منظومات دفاع جوي وصاروخي متقدّمة، وقدرات عسكرية وأمنية عالية الجاهزية.
تقف المنطقة أمام إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى. فإيران، التي بنت نفوذها لعقود عبر شبكة من الأدوات الإقليمية، تواجه اليوم اختبارًا يطول الداخل والخارج، بينما تعمل دول الخليج على تثبيت معادلة أمنية جديدة عنوانها وحدة الموقف وتكامل القدرات ورفع كلفة أي تهديد. ولم يعد الصراع في المنطقة مجرّد مواجهة بين دول أو تحالفات، بل صراع بين مشروع يعتمد على الوكلاء لتوسيع النفوذ، ودول تسعى إلى تثبيت مفهوم السيادة والردع. وفي هذه المعادلة، يبقى "حزب الله" الاختبار الأبرز لمستقبل النفوذ الإيراني، فيما تؤكد دول الخليج أن زمن استهدافها فرادى انتهى، وأن أي محاولة لتغيير قواعد اللعبة ستواجه بمنظومة ردع جديدة أكثر تماسكًا وحسمًا.