المحامي ميشال فلاّح

التفاوض تحت النار بين حكمة تشرتشل وضرورات إنهاء الحروب

7 دقائق للقراءة
في معظم الحروب الكبرى توقّف القتال نتيجة بدء المفاوضات

منذ أن عرفت البشرية الحروب، لم تكن المفاوضات يومًا نقيضًا لها، بل كانت في كثير من الأحيان امتدادًا لها بوسائل مختلفة. فالحرب، كما قال المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، هي "استمرار للسياسة بوسائل أخرى"، فيما تبدو المفاوضات، في المقابل، محاولة لإعادة السياسة إلى الواجهة بعدما تتكلم المدافع. غير أن السؤال الذي يتجدد مع كل نزاع مسلح هو: هل يجوز لدولة أن تفاوض عدوًّا وهي لا تزال تقاتله؟ أم أن التفاوض لا يكون إلا بعد توقف العمليات العسكرية؟

يشكل هذا السؤال إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل في الفكرين السياسي والقانوني، حيث تنقسم الآراء بين اتجاه يرفض أي تفاوض "تحت النار"، وآخر يعتبر أن أشد مراحل الحرب هي بالذات اللحظة التي يصبح فيها الحوار أكثر إلحاحًا.

يرتكز الاتجاه الأول على اعتبارات تتعلق بالكرامة الوطنية والسيادة وميزان القوى. ويستشهد أنصاره بالعبارة الشهيرة المنسوبة إلى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل خلال الحرب العالمية الثانية: "لا يمكن التفاوض مع النمر ورأسك في فمه". وتعكس هذه المقولة فكرة بسيطة لكنها عميقة؛ فالتفاوض في ظل تعرّض الدولة لضغط عسكري مباشر قد يحوّل العملية التفاوضية إلى شكل من أشكال الإكراه السياسي، بحيث تنتزع التنازلات تحت وطأة القوة وليس نتيجة إرادة حرّة ومتوازنة.

علمًا بأن العبارة المنسوبة إلى ونستون تشرشل تُتداول على نطاق واسع في الأدبيات السياسية والصحفية، إلا أن الصيغة الحرفية ومناسبة قولها محلّ نقاش بين المؤرخين، بينما يبقى معناها السياسي معبّرًا عن الموقف الذي تبنّاه تشرشل، الرافض للتفاوض مع ألمانيا النازية قبل تغيّر موازين القوى.

ومن المنظور القانوني، لا يخلو هذا الرأي من سند. فالقانون الدولي يقوم على مبدأ الرضا الحرّ في إبرام المعاهدات. وقد كرست اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 هذا المبدأ عندما اعتبرت أن المعاهدة التي يتم إبرامها نتيجة الإكراه الموجه ضد ممثل الدولة تكون باطلة. ورغم أن الاتفاقية لا تبطل تلقائيًّا كل اتفاق يتم خلال النزاعات المسلحة، إلا أنها تؤكد أن مشروعية الاتفاق تبقى مرتبطة بغياب الإكراه غير المشروع.

كما يرى أصحاب هذا الاتجاه أن استمرار العمليات العسكرية يمنح الطرف الأقوى قدرةً على تحسين شروطه التفاوضية بالقوة، فيتحوّل التفاوض إلى استكمالٍ للحرب بأدوات سياسية، لا إلى وسيلة حقيقية لتحقيق سلام عادل. ولهذا، يفضّلون تثبيت وقف لإطلاق النار، أو على الأقل الوصول إلى هدنة مستقرة، قبل الانتقال إلى طاولة المفاوضات.

إلا أن هذا التصوّر، على وجاهته النظرية، يصطدم بوقائع التاريخ. فمعظم الحروب الكبرى لم تنته بعد توقف القتال، بل توقف القتال نتيجة بدء المفاوضات.

فالمدرسة المقابلة تنطلق من مقاربة أكثر واقعية، مفادها أن الحرب والتفاوض ليسا مرحلتين منفصلتين، وإنما عمليتان متداخلتان. فاستمرار إطلاق النار لا يمنع وجود قنوات اتصال، بل قد يجعلها أكثر ضرورة، سواء لترتيب تبادل الأسرى، أو إدخال المساعدات الإنسانية، أو إقامة ممرات آمنة، أو التوصل تدريجيًّا إلى وقف شامل للأعمال العدائية.

ولعل أبرز النماذج التاريخية على ذلك ما جرى خلال الحرب الكورية (1950-1953)، حيث بدأت مفاوضات الهدنة في مدينة كايسونغ عام 1951، بينما كانت المعارك لا تزال دائرة على الجبهة. واستمرت المفاوضات قرابة عامين بالتوازي مع العمليات العسكرية، إلى أن تم توقيع اتفاق الهدنة في تموز 1953.

والأمر ذاته تكرر خلال حرب فيتنام، إذ انطلقت مفاوضات باريس عام 1968، بينما استمرت المعارك سنوات إضافية قبل التوصل إلى اتفاق باريس للسلام سنة 1973، الذي مهّد للانسحاب الأميركي.

أما في الشرق الأوسط، فقد شهدت حرب تشرين الأول 1973 مفاوضات مباشرة وغير مباشرة بين مصر وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة والأمم المتحدة، فيما كانت الاشتباكات لا تزال مستمرة في بعض المحاور، وانتهت لاحقًا إلى اتفاقيات فصل القوات التي شكّلت الأساس لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.

حتى في النزاعات الحديثة، تؤكد التجربة أن التواصل لا يتوقف أثناء الحرب. فقد شهدت الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022 جولات تفاوض متعددة، رغم استمرار العمليات العسكرية، كما جرت عمليات تبادل أسرى واتفاقات إنسانية عدة بوساطة أطراف دولية، من دون أن يعني ذلك انتهاء النزاع.

ومن الناحية القانونية، لا يحظر القانون الدولي إجراء المفاوضات أثناء الحرب، بل على العكس، تشجع اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية جميع المبادرات الرامية إلى حماية المدنيين وتخفيف المعاناة الإنسانية، حتى ولو كانت الأعمال العدائية مستمرة. كما أن ميثاق الأمم المتحدة يجعل من التسوية السلمية للنزاعات التزامًا دائمًا لا يسقط بمجرد اندلاع الحرب.

والواقع أن التفاوض خلال النزاعات المسلحة لا يعني بالضرورة الاعتراف بالعدو أو التخلي عن الحقوق أو التسليم بمطالبه. فالعديد من الدول فاوَضت خصومها العسكريين وهي تؤكد في الوقت نفسه استمرار موقفها القانوني والسياسي تجاههم. فالتفاوض، في القانون الدولي، هو وسيلة لإدارة النزاع، وليس حكمًا مسبقًا على نتيجته.

غير أن نجاح هذا الخيار يبقى رهنًا بجملة من الشروط. فالتفاوض المنتج يحتاج إلى حد أدنى من التوازن بين الأطراف، وإلى وساطة قادرة على بناء الثقة، وإلى إرادة سياسية تتجاوز الرغبة في تحقيق انتصار عسكري صرف. أما إذا تحوّل إلى مجرد وسيلة لكسب الوقت أو فرض الإملاءات، فإنه يفقد وظيفته الأساسية ويصبح جزءًا من أدوات الصراع.

ولذلك، فإن المفاضلة بين رفض التفاوض تحت النار أو الدعوة إليه، ليست مسألة قانونية مجردة، بل هي قرار سياسي واستراتيجي يتغيّر بتغيّر طبيعة الحرب وأهدافها وموازين القوى فيها. فما قد يكون استسلامًا في نزاع معين، قد يكون في نزاع آخر الطريق الأقصر لوقف نزيف الدم وإنقاذ الأرواح.

ويبقى أن مقولة تشرتشل، على قوتها البلاغية، تعكس ظرفًا تاريخيًّا خاصًّا تمثل في مواجهة بريطانيا لألمانيا النازية في ذروة الحرب العالمية الثانية، عندما كان يرى أن أي تفاوض مع نظام هتلر قبل تغيير ميزان القوى لن يؤدي إلا إلى تكريس العدوان. لكنها لا تصلح بالضرورة قاعدة عامة تحكم جميع النزاعات المسلحة في كل زمان ومكان.

فالخبرة التاريخية تُظهر أن بعض الحروب انتهت بالحسم العسكري، بينما انتهى كثير منها حول طاولة المفاوضات، بل إن تلك الطاولة كانت تُنصب أحيانًا قبل أن تصمت المدافع. وبين مقولة "لا تفاوض تحت النار" ومقولة "لا سلام من دون تفاوض"، يبقى المعيار الحقيقي هو قدرة المفاوضات على حماية سيادة الدولة وصون حقوقها، وفي الوقت نفسه إنهاء الحرب بأقل كلفة إنسانية وسياسية ممكنة.

توثيق ومراجع

1. ميثاق الأمم المتحدة، المادة (33) بشأن التسوية السلمية للمنازعات.

2. اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، ولا سيما المواد 51 و52 المتعلقة بالإكراه في إبرام المعاهدات.

3. اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977.

4. Carl von Clausewitz, On War.

5. Henry Kissinger, Diplomacy, Simon & Schuster, 1994.

6. Fred Charles Iklé, How Nations Negotiate, Praeger.

7. محاضر مفاوضات هدنة الحرب الكورية (1951-1953).

8. اتفاق باريس بشأن إنهاء الحرب وإعادة السلام في فيتنام، 27 كانون الثاني 1973.

9. اتفاقيات فصل القوات المصرية–الإسرائيلية (1974 و1975)، برعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة.