العميد المتقاعد جوني خلف

سمير جعجع... الرجل الذي سبق السياسة إلى الدولة

5 دقائق للقراءة

ليست كل الشخصيات السياسية تُقاس بعدد مناصريها، ولا بحجم حضورها الإعلامي، بل بقدرتها على ترك بصمة في مسار وطنها. فهناك رجال تصنعهم السلطة، ورجال تصنعهم المواقف. ومع مرور الزمن، يسقط كثير من الشعارات، بينما تبقى المواقف التي استطاعت أن تصمد أمام تبدّل الأحداث واختبار الوقائع. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يمنح أحكامه على وقع الانفعالات، بل بعد أن تهدأ الضوضاء ويبدأ ميزان النتائج بالكلام.

في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وتحولت فيه السيادة عند البعض إلى شعار موسمي، بقي رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع ثابتًا على موقف لم يتبدل بتبدل الموازين ولا بتغير التحالفات. فمنذ انتهاء الحرب اللبنانية وحتى اليوم، لم يخرج عن معادلة واحدة: لا دولة بوجود السلاح خارجها، ولا اقتصاد بغياب الأمن، ولا استقرار من دون احتكار الدولة وحدها لقرار الحرب والسلم.

قد يختلف اللبنانيون مع جعجع في السياسة، لكن يصعب إنكار أنه من أكثر القادة اللبنانيين ثباتًا في خياراتهم الوطنية. فما كان يقوله قبل عشرين عامًا عن ضرورة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، هو نفسه ما يطالب به اليوم، بعدما أثبتت السنوات أن ازدواجية السلطة كانت، في نظر كثيرين، أحد أبرز أسباب الانهيار المالي والعزلة العربية وتراجع ثقة المجتمع الدولي بلبنان.

ولعل المفارقة أن كثيرًا ممن اتهموه بالمبالغة أو بالرهان الخاطئ، عادوا اليوم يتبنون العناوين نفسها التي رفعها منذ سنوات، تنفيذ القرارات الدولية، ضبط الحدود، حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، واستعادة لبنان لموقعه الطبيعي بين الدول العربية والمجتمع الدولي.

ولا يمكن تجاهل أن جعجع يقود اليوم أكبر كتلة نيابية حزبية في لبنان، تستند إلى قاعدة شعبية واسعة تمتد في مختلف المناطق، ما يمنحه ثقلا سياسيًّا لا يقوم فقط على حجم التمثيل البرلماني، بل أيضًا على حضور شعبي وتنظيمي أثبت قدرته على الصمود والتوسع في أصعب الظروف. وهذا الواقع يجعل مواقفه تتجاوز حدود المعارضة التقليدية لتتحول إلى عنصر أساسي في رسم أي معادلة سياسية مقبلة.

وفي مرحلة تتجه فيها المنطقة نحو إعادة رسم خرائط النفوذ والتوازنات، يبدو أن المشروع الذي يدافع عنه جعجع يكتسب زخمًا إضافيًّا، لأنه يقوم على فكرة بسيطة ولكنها جوهرية: لبنان لا يُبنى بالمحاور، بل بالدولة؛ ولا يُحمى بالشعارات، بل بالمؤسسات؛ ولا يستعيد ثقة العالم إلا عندما يصبح القرار اللبناني قرارًا لبنانيًا خالصًا.

لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تنهض إلا عندما تكون السلطة واحدة، والشرعية واحدة، والسلاح واحدًا. ومن هنا، فإن أهمية مواقف جعجع لا تكمن في أنها تعبر عن حزب أو تيار سياسي، بل في أنها تضع اللبنانيين أمام سؤال مصيري لا يمكن الهروب منه: هل نريد دولة فعلية، أم الاستمرار في دوامة الدويلات والأزمات؟

قد يكون الاختلاف السياسي أمرًا طبيعيًا، أمّا الاختلاف على مفهوم الدولة والسيادة، فلم يعد ترفًا فكريًا، بل بات مسألة وجود. ومن هنا، فإنّ المرحلة المقبلة لن تُقاس بمن ربح سجالًا سياسيًا، بل بمن امتلك رؤية قادرة على إنقاذ لبنان وإعادته إلى موقعه الطبيعي.

وفي السياسة، قد تتغيّر التحالفات وتتبدّل المواقف، لكنّ القادة يُقاسون بقدرتهم على الثبات عندما تتغيّر الرياح، لا عندما تهبّ في اتجاههم. وربما لهذا السبب، يبقى سمير جعجع أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في المشهد اللبناني، سواء اتفق معه خصومه أم اختلفوا، لأنّه نجح في تحويل الدفاع عن السيادة إلى مشروع سياسي متكامل، لا إلى خطاب ظرفي ينتهي بانتهاء المناسبة.

أمّا على الساحة المسيحية، فقد شهدت السنوات الماضية منافسة سياسية حادّة بين "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر"، انعكست في تباين واضح حول ملفات داخلية وخيارات وطنية. ومع مرور الوقت، اتّسعت مساحة الجدل حول نتائج تلك الخيارات، وأصبح الناخب المسيحي يقارن بين مسارين سياسيين مختلفين في مقاربة الدولة والإصلاح والسيادة. فقد اختار "التيار الوطني الحر"، لسنوات، التحالف مع "حزب الله"، فيما تمسّكت "القوات اللبنانية" بمقاربة مختلفة تقوم على أولوية الدولة ومؤسساتها. ولا يزال هذا التباين محورًا أساسيًا للنقاش السياسي، في ضوء النتائج التي أفرزتها تلك الخيارات على مستوى مؤسسات الدولة والاستقرار.

ومن هنا، لا تبدو قوة سمير جعجع في قدرته على رفع سقف الخطاب، بل في أنّ التطورات السياسية جعلت كثيرًا من خصومه يقتربون، ولو تدريجيًا، من العناوين التي كان يطرحها منذ سنوات. وفي السياسة، ليس هناك انتصار أكبر من أن تتحوّل الأفكار التي حوربت بالأمس إلى قناعات وطنية تتبنّاها غالبية القوى اليوم.

فالتاريخ لا يحفظ فقط من ربح معركة سياسية أو حقّق مكسبًا انتخابيًا، بل يحفظ أيضًا من تمسّك بمشروعه عندما كان مكلّفًا، ثم أثبتت الوقائع أنّ هذا المشروع كان أقرب إلى مصلحة الدولة. وفي النهاية، قد يختلف اللبنانيون على الأشخاص والأحزاب، لكنّهم لن يستطيعوا بناء وطن مستقر إلا على قاعدة واحدة: دولة واحدة، وسلطة واحدة، وقرار واحد، وسلاح واحد تحت راية الشرعية اللبنانية.

ويبقى أنّ الزمن، أكثر من أي منبر أو خطاب، هو الحكم الأخير بين الرجال والأفكار. فقد تمنح السياسة انتصارات عابرة، لكنّ التاريخ لا يكرّم إلا من تمسّك بقناعاته عندما كان ثمنها باهظًا، ثم أثبتت الأيام أنّ تلك القناعات لم تكن دفاعًا عن مصلحة فئة، بل عن فكرة وطن.

وربما لهذا السبب، سيبقى النقاش حول سمير جعجع مستمرًا بين مؤيديه وخصومه. إلا أنّ ما لا يمكن إنكاره هو أنّ الرجل استطاع أن يفرض مشروع الدولة والسيادة في صلب النقاش الوطني، حتى باتت عناوينه جزءًا من الأسئلة الكبرى التي يواجهها لبنان اليوم.

وفي وطن أنهكته الانقسامات، يبقى الأمل معقودًا على أن ينتصر منطق الدولة على منطق الدويلة، وأن يلتقي اللبنانيون، مهما اختلفت خياراتهم، حول حقيقة واحدة: أنّ الأوطان لا يحميها إلا وطن، ولا تبنيها إلا دولة.