حيدر الأمين

من "أَكَلَة الجبنة" إلى المخاض العسير: في تفكيك بنية الاستعصاء اللبناني ومأزق الوعي

5 دقائق للقراءة

مقدمة: رماد حديقة جونيه ونبوءة الانهيار

في أواخر أيامه، أقدم الرئيس اللبناني الأسبق فؤاد شهاب على خطوة شديدة الرمزية والدلالة؛ إذ قام بإحراق أوراقه ومسودات مذكراته الشخصية في حديقة منزله بجونيه. لم يكن هذا الفعل مجرد تعبير عاطفي عن مرارة شخصية، بل كان إعلاناً سياسياً مبكراً عن العقم البنيوي الذي يكتنف النظام اللبناني، واستشرافاً ذكياً بأن منطق "المزرعة" سينتصر في نهاية المطاف على منطق "الدولة". إن المخاض العسير والانهيار الشامل غير المسبوق الذي نعيشه في لبنان اليوم، يعيد إستحضار تلك الخيبة الشهابية كقراءة علمية استباقية. فالمعضلة اللبنانية ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج هندسة مقصودة تحمي مصالح قوى النظام الطائفي الزبائني، مما يضعنا أمام مسؤولية فكرية لتفكيك الجذور التاريخية لهذا الاستعصاء وربطها بتجلياتهالراهنة.

"أَكَلَة الجبنة": التوصيف السوسيولوجي لمنطق المحاصصة

عندما أطلق فؤاد شهاب مصطلح "أًكَلَة الجبنة" لوصف الطبقة السياسية التقليدية في ستينيات القرن الماضي لم يكن يهدف إلى إطلاق شعار شعبوي، بل كان يضع أول توصيف سوسيولوجي دقيق لآلية عمل النخبة الحاكمة في لبنان. في هذا المنظور، لا تمثل الدولة مساحة لإنتاج المصلحة العامة أو تجسيداً للسيادة الوطنية، بل هي مجرد "قالب جبن" أو غنيمة مستباحة يتم تقاسمها بين كارتيل من الزعامات الطائفية والمصلحية. لقد عاينّا عبر التاريخ كيف حاول النهج الشهابي بناء جدار عازل بين الإدارة العامة وهذه الطبقة من خلال ترسيخ العمل المؤسسي في الدستور لحساب معيار الكفاءة وتجفيف منابع نفوذهم القائم على الزبائنية السياسية، مما أدى في النهاية إلى إجهاض التجربة ودخول لبنان في دوامات التعطيل الممتدة.

تفكيك مفهوم "الكتاب": من معيار الدستور إلى بدعة "الدساتير الموازية"

في عمق التجربة الشهابية، برز السؤال المحوري الدائم: "شو بيقول الكتاب؟". لم يكن "الكتاب" في وجدان شهاب مجرد نص جامد أو حبر على ورق، بل كان يعني سمو الدستور، وانتظام المؤسسات، وخضوع الجميع لسلطة القانون فوق أي اعتبارات فئوية أو طائفية. كان "الكتاب" يمثل العقد الاجتماعي والمسطرة القانونية التي تضبط إيقاع الدولة وتحميها من الأهواء الشخصية. أما اليوم، وفي ظل هذا المخاض العسير، نرى أن المنظومة لم تكتفِ بتجاوز "الكتاب"، بل عمدت إلى تفكيكه واستبداله ببدعة "الدساتير الموازية" وعُرف "الديمقراطية التوافقية المسخ". لقد تحول الدستور من وثيقة ناظمة إلى مجرد وجهة نظر تُفسر وفقاً لموازين القوى على الأرض. إن استبدال "الكتاب" بطاولات الحوار الفوقية والاتفاقيات الجانبية التي تُعقد خارج المؤسسات الدستورية، هو الذي شرعن التعطيل الممنهج وجعل من غياب المحاسبة قاعدة ومن إفراغ المؤسسات من مضمونها عرفاً مستقراً، مما أطاح بجوهر فكرة الدولة لفائدة كارتيل المحاصصة.

تحديث ظاهرة "الجبنة" في زمن الانهيار

إننا اليوم نواجه النسخة المحدثة والأكثر توحشاً لظاهرة "أَكَلَة الجبنة". لقد تحولت المحاصصة في واقعنا الراهن من مجرد فساد إداري تقليدي إلى آلية تدمير ممنهج أطاحت بالبنية المالية والنقدية والاجتماعية للبلاد، ودفعت بالمواطن إلى أتون أزمة معيشية واقتصادية غير مسبوقة. إن تشريح هذا الواقع يقودنا حتماً إلى استنتاج أن الانهيار ليس مجرد أزمة تقنية أو عجز مالي عابر يمكن علاجه برزم إصلاحية دولية، بل هو أزمة وجودية بنيوية. المعضلة الأساسية تكمن في غياب الكفاءة وتغييب المؤسسات بشكل متعمد، حيث تعيد المنظومة إنتاج نفسها من خلال الاستثمار الدائم في الهويات الفرعية والخوف المتبادل بين المكونات اللبنانية. وبذلك، نلتقي مع الاستشراف الشهابي في خلاصة جوهرية: إن العائق الأساسي أمام قيام الدولة في لبنان ليس نقص الموارد أو غياب التشريعات، بل هو تغلغل ثقافة المحاصصة في عمق البنية السياسية والاجتماعية.

مأزق الوعي: جدلية المثقف والمجتمع في زمن الاستعصاء

يقودنا هذا الربط التحليلي إلى إشكالية وجودية واجهت فؤاد شهاب سياسياً وتواجهنا اليوم فكرياً وثقافياً، وهي: هل يمتلك المجتمع اللبناني القابلية أو الرغبة الحقيقية في التغيير؟ إن عبارة شهاب الضمنية التي تُرجمت بإحراق أوراقه تتقاطع مع التساؤلات الملحة التي تُطرح أمام مشهد الفوضى الراهن حول جدوى الكتابة والنقد في مجتمع يبدو مستكيناً أو عاجزاً عن كسر حلقة التبعية لـ"أَكَلَة الجبنة". 

من الناحية الأكاديمية، يتضح أن هذا الاستعصاء اللبناني مركب؛ فالجمهور الذي يعاني من تبعات الانهيار، يجد نفسه في الوقت ذاته رهيناً لشبكات أمان طائفية وحزبية تحل محل الدولة العاجزة. هذا التناقض البنيوي يخلق وعياً مجتمعياً مأزوماً، يعترض على النتائج (كالفساد والتدهور المعيشي) ولكنه يجدد الولاء للمسببات (كالزعامات والائتلافات الطائفية) عند كل استحقاق سياسي. في هذا المناخ الطارد للإصلاح، يصبح فعل الكتابة والبحث السياسي أشد صعوبة، لأنه لا يواجه السلطة الحاكمة فحسب، بل يواجه أيضاً منظومة القيم الفكرية والسلوكية التي تشرعن وجود هذه السلطة وتمنع المجتمع من القراءة الواعية لواقعه.

خاتمة: الكلمة كفعل مقاومة تاريخي ضد النسيان

في المحصلة، يتبين أن المخاض العسير الذي يمر به لبنان اليوم ليس مجرد مرحلة انتقالية عابرة، بل هو النتيجة الحتمية لانتصار نهج "أَكَلَة الجبنة" على نهج "الكتاب" الذي حاول فؤاد شهاب إرساءه. وإذا كان رئيس الدولة الأسبق قد اختار حجب مذكراته كصرخة احتجاج أخيرة بوجه نظام عاجز عن التطوير، فإن دور الفكر والقلم اليوم يكتسب مشروعية مغايرة تمنعه من الانكفاء أو الصمت. إن استمرار القراءة النقدية وتفكيك بنية الائتلاف الحاكم، ومواجهة مأزق الوعي الجماعي، لا ينطلق من أوهام بإحداث تغيير فوري أو سحري في المشهد السياسي، بل تكمن جدواه في كونه فعل مقاومةٍ معرفيةٍ وتوثيقية. فالكتابة في زمن الانهيار تصبح الأداة الأهم لمنع تزوير التاريخ، وللحفاظ على فكرة "الدولة الحاضنة" حية في الوجدان الثقافي، كخيار إنقاذي وحيد بانتظار أن تنضج الظروف التاريخية للخروج من هذا المخاض العسير.