كلما ارتفع داخل الأوطان منطقُ الاستقواء بالسلاح الفئوي على الشريك في الوطن، خدمةً لمشاريع عابرة للحدود أو لإعادة رسم التوازنات الداخلية، ازداد حضور الغرائز وخفت صوت العقل. وفي المشهد اللبناني المعاصر، يتجلى هذا المأزق بأوضح صوره؛ إذ يواجه لبنان تحدياً وجودياً في ظل معادلة "فائض القوة" التي يفرضها سلاح حزب الله خارج أطر الشرعية الدستورية. فالدول لا تبدأ بالانهيار حين تضعف جيوشها أو تشح مواردها فحسب، بل عندما يصبح السلاح بديلاً عن الحوار، والتخوين بديلاً عن التعددية، والاستئثار بالقرار الوطني بديلاً عن الشراكة بين المواطنين.
منذ فجر الحضارة الإنسانية، بدأ الصراع بين منطقين متناقضين: منطق القوة، الذي يرى أن المجتمعات القوية تُبنى بالقهر والاستبداد وفرض القوة، وقوة المنطق، التي تؤمن بأن المجتمعات المتطورة تُبنى على الحوار، والاقتناع، وحرية الرأي، وسيادة القانون. وقد أثبتت الأحداث التاريخية أن القوة تستطيع إخضاع الناس زمناً، لكنها تعجز عن بناء مجتمعات مستقرة ودائمة التطور، بينما ينجح المنطق، وإن طال الطريق، في تأسيس مجتمعات راقية، قادرة على الاستمرار والحياة.
من هنا، يقع كثير من اللبنانيين، مؤيدين ومعارضين لحزب الله، في اختزال قضية السلاح بوظيفته العسكرية المرتبطة بإسرائيل، بينما تجاوزت المشكلة هذا الإطار منذ سنوات طويلة. فمنذ البدايات، لم يُقدَّم السلاح بوصفه مجرد وسيلة للدفاع، بل ارتبط، كما يظهر في خطابات السيد حسن نصر الله منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بمشروع «ولاية الفقيه» وبفكرة المساهمة في بناء الدولة الإسلامية الكبرى التي يرعاها الولي الفقيه، وفق «مشروع الحكومة الإسلامية» الذي طرحه الإمام الخميني عقب نجاح الثورة الإسلامية في إيران.
ومع مرور الزمن، تحوّل السلاح، في نظر شريحة وازنة من البيئة الشيعية، إلى قضية هوية وانتماء ومكانة، فأصبح رمزًا سياسيًا ونفسيًا واجتماعيًا يتجاوز، إلى حدٍّ كبير، وظيفته العسكرية. ويعود ذلك إلى نجاح الخطاب الإعلامي والعقائدي لحزب الله في ربط السلاح، في وعي بيئته الحاضنة، بالانتقال من زمن «التهميش» إلى زمن «النفوذ»، ومن هامش القرار إلى مركزه. وعلى امتداد عقود من التعبئة السياسية والإعلامية والعقائدية، ترسّخ هذا التصور حتى أصبح السلاح، في الوعي الجماعي لهذه الشريحة، ضمانةً للكرامة، وعنوانًا للقوة، ورمزًا للقدرة على فرض الإرادة وتغيير موازين القوى.
لقد امتلك حزب الله، بعد تحرير الجنوب عام 2000، رصيداً وطنياً واسعاً لدى شرائح كبيرة من اللبنانيين، إلا أن هذا الرصيد أخذ يتآكل تدريجياً مع انتقال السلاح من وظيفة مقاومة الاحتلال إلى وظيفة التأثير في الداخل اللبناني وربط القرار الوطني بالمحور الإيراني. واليوم، يرى كثير من اللبنانيين أن الإصرار على احتكار قرار الحرب والسلم، ورفض حصرية السلاح بيد الدولة، وتحويل لبنان إلى ورقة تفاوض في الصراع الأميركي _ الأيراني، يعكس تغليباً لأولويات المشروع الإقليمي على مقتضيات المصلحة الوطنية.
غير أن لبنان، في أصل تكوينه التاريخي والميثاقي، لم يُبنَ على هوية مغلقة، بل على التعددية والتوازن والعيش المشترك. ولذلك، يستحيل على أي مشروع عقائدي شمولي، مهما بلغت قوته، أن يتحول إلى مشروع وطني جامع، لأن جزءاً أساسياً من اللبنانيين لا يجد نفسه فيه.
اليوم، يحتاج اللبنانيون جميعًا إلى شجاعة الانتقال من منطق القوة إلى قوة المنطق؛ ومن شرعية السلاح إلى شرعية الدولة، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن الولاءات العابرة للحدود إلى الولاء النهائي للبنان.
اليوم، المسؤولية وطنية وجماعية، وعلى جميع اللبنانيين أن يدركوا أن منطق القوة الفئوية، وإن نجح في فرض الأمر الواقع خلال مرحلة من المراحل، فإنه لم ينجح في حماية وطن. بل عطّل المؤسسات، وأعاق قيام الدولة، وعمّق الانقسامات، واستنزف الاقتصاد، وجرّ لبنان إلى الحروب والدمار والتخلّف، وحوّل بيئته الحاضنة، واللبنانيين عمومًا، إلى جماعات تحكمها الغرائز والعصبيات القبلية، ويُحتكم فيها إلى ميزان القوة بدلًا من ميزان العدالة، وإلى منطق الغلبة بدلًا من منطق الشراكة.
أما قوة المنطق الوطني، فهي وحدها القادرة اليوم على إعادة بناء الإنسان الحر، والدولة العادلة، والوطن المستقر. فالقوة قد تحسم معركة، لكنها لا تؤسس لبناء وطن سيد مزدهر. أما المنطق، فقد يخسر جولة، لكنه وحده القادر على صناعة التاريخ، وترسيخ دولةٍ لا يكون فيها السلاح فوق القانون، ولا الولاء فوق الوطن.