لا يكمن الخطر الحقيقي على المجتمعات والدول في تنافس الأحزاب والشخصيات حول البرامج والرؤى الهادفة إلى الإصلاح والتطوير، بل في تحوّل السياسة إلى ساحة للشعبوية واستثارة الغرائز، وانحدار الخطاب العام إلى مستوى الشتائم والتخوين والتحريض. فعندما تحل الإهانة مكان الحجة، والعاطفة مكان العقل، ويصبح الانقسام أداةً لتحقيق المكاسب السياسية، تدخل الدول مساراً يقود تدريجياً إلى التفكك والتراجع، مهما بلغت قوة مؤسساتها.
فعلى امتداد التاريخ، كان الخطاب السياسي وسيلة لبناء الدول، وصياغة الهوية الوطنية، وإلهام الشعوب. لكن العصر الرقمي خلق بيئة مختلفة، إذ أصبحت منصات التواصل الاجتماعي تكافئ الخطاب الأكثر إثارة واستفزازاً، لا الأكثر عمقاً ورصانة. وفي هذا المناخ تزدهر الشعبوية، لأنها تخاطب المخاوف والغرائز أكثر مما تخاطب العقل، وتقدّم حلولاً مبسطة لمشكلات معقدة، وتصنع أعداءً بدلاً من أن تصنع حلولاً.
ولم يكن هذا الخطر غائباً عن كبار المفكرين. فقد حذّر أفلاطون من الديماغوجيين الذين يستميلون الجماهير بالعواطف بدلاً من الإقناع بالحجة. ورأى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن الخوارزميات الرقمية باتت تدفع النقاش العام نحو الاستقطاب والغضب على حساب الحوار العقلاني. أما حنة أرندت فاعتبرت أن أخطر ما تفعله الشعبوية ليس نشر الأكاذيب فحسب، بل تقويض الثقة بالحقيقة نفسها، بحيث يصبح المجتمع مستعداً لتصديق أي "منقذ" يعد بالخلاص، مهما كانت وعوده بعيدة عن الواقع.
يقدّم لبنان مثالاً واضحاً على هذا التحول. فقد بنى التيار الوطني الحر، الذي أسسه الرئيس ميشال عون، جزءاً كبيراً من خطابه على شعارات مثل "استعادة حقوق المسيحيين"، و"محاربة الفساد"، و"بناء الدولة". لكن تجربة الحكم كشفت فجوة واسعة بين الشعارات والممارسة، إذ تحول إلى شريك أساسي في منظومة المحاصصة التي تعهد بتغييرها، فيما شكّل تحالفه مع حزب الله تناقضاً مع أحد أبرز شعاراته المتعلقة بقيام الدولة وحصر السلاح بيدها. وعندما وقع الانهيار المالي والاقتصادي، لم يبرز خطاب للمراجعة أو تحمل المسؤولية، بل ساد شعار "ما خلّونا"، في محاولة لإلقاء المسؤولية على الآخرين، بما كرّس ثقافة الإفلات من المحاسبة بدلاً من ترسيخ مبدأ المسؤولية السياسية.
غير أن الخطر لا يقتصر على الخطاب السياسي التقليدي، بل يتضاعف مع توظيف الجيوش الإلكترونية التي تديرها قوى الأمر الواقع، وفي مقدمتها حزب الله والمنظومة المتحالفة معه، لتحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للتخوين والتشهير والاغتيال المعنوي لكل رأي مخالف. وعندما يتحول الخصم السياسي إلى "عدو" يجب إلغاؤه، لا إلى مواطن يختلف في الرأي، تبدأ أسس الديمقراطية بالتآكل. وقد نبّه المفكر فرانتز فانون إلى أن تجريد الإنسان من إنسانيته في الخطاب غالباً ما يكون المقدمة الطبيعية للعنف في الواقع.
اليوم يقف لبنان عند واحدة من أخطر المحطات في تاريخه الحديث، وسط تحولات إقليمية كبرى تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وبين ضغوط المشروع الإيراني من جهة، والضغوط الأميركية والإسرائيلية من جهة أخرى. وفي مثل هذه اللحظات المصيرية، تصبح الحاجة إلى خطاب وطني، أخلاقي ومسؤول أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالأوطان لا تُنقذ بالشعارات، ولا تُبنى بالتحريض، ولا تستقر بتأجيج العصبيات، بل بقيادات تمتلك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، واحترام الحقيقة، وتقديم المصلحة الوطنية على المكاسب الشعبوية الآنية.
إن أخطر ما في الشعبوية أنها قد تكون الطريق الأسرع إلى السلطة، لكنها غالباً ما تتحول إلى الطريق الأقصر نحو إضعاف الدولة. فالحكم الذي يقوم على استثارة الغرائز لا يستطيع بناء مؤسسات، والسياسة التي تستبدل الحقيقة بالدعاية لا تستطيع إنتاج حلول، والسلطة التي تتغذى على الانقسام لا يمكنها أن تصنع وحدة وطنية.
إن استعادة الدولة تبدأ باستعادة أخلاق السياسة، واستعادة أخلاق السياسة تبدأ باستعادة مسؤولية الكلمة. فالكلمات ليست مجرد أدوات للتأثير في الرأي العام، بل هي التي ترسم مستقبل الأمم؛ وقد تكون جسوراً تعبر بها الشعوب نحو الاستقرار والازدهار، وقد تتحول إلى معاول تهدم الدولة ومستقبل أبنائها.