في طوكيو، تُكتشف بعض المتاحف بالتجوّل ببطء من غرفة إلى أخرى، بينما تدعو متاحف أخرى، ببساطة، إلى التأمل في الأعمال المعروضة على الجدران. أما متحف "teamLab Planets TOKYO DMM"، فيتبع منطقًا مختلفًا تمامًا. فيه يخلع الزوار أحذيتهم عند الدخول، ويسيرون في الماء، ويتنقلون على أسطح غير مستوية، وينغمسون في تلاعب المرايا، ليجدوا أنفسهم محاطين بالزهور والأضواء والمناظر الطبيعية الرقمية التي تتفاعل مع كل حركة يقومون بها. لا تعتمد التجربة على مجرد الملاحظة، بل تُحوّل عابري عتبة المتحف إلى مشاركين في عالم دائم التطور.
افتُتح متحف "teamLab Planets" في 7 تموز 2018، في حي تويوسو شرق طوكيو، وسرعان ما رسّخ مكانته بوصفه إحدى أشهر الوجهات الثقافية في العاصمة اليابانية. ويتجاوز نجاحه نطاق السياحة بكثير، إذ يدعو هذا المكان إلى التأمل في كيفية إدراك الفن والتكنولوجيا والطبيعة، على نحو يطمس الحدود التقليدية بينها. وكل زيارة فريدة من نوعها، فالأعمال الفنية لا تتكرر بالشكل نفسه من لحظة إلى أخرى، علمًا أن المتحف سيُقفل، مبدئيًا، في نهاية عام 2027.
ويمثّل فريق "تيم لاب" جوهر هذا المشروع. وهو فريق فني تأسس عام 2001 في طوكيو. وتكمن فرادته في تكوينه، إذ يضم فنانين، ومبرمجين، ومهندسين، ومهندسين معماريين، ورياضيين، ومصمّمي غرافيك، ومتخصصين في الرسوم المتحركة. وتحت قيادة مؤسّسه المشارك توشيوكي إينوكو، طوّر فريق "تيم لاب" فلسفة ترفض تجزئة المعرفة. فلم يعد الفن مقتصرًا على الرسم أو النحت، ولم تعد التكنولوجيا مجرد أداة، ولم تعد الطبيعة مجرد خلفية. وتتفاعل هذه العناصر جميعها لخلق تجربة غامرة تدعو الزوار إلى الشعور بقدر ما تدعوهم إلى المشاهدة.
إشراك الجسد بأكمله
تتمثل إحدى أولى المفاجآت في متحف "teamLab Planets"، حتى قبل اكتشاف الأعمال الفنية، في أنه يتعيّن على الزوار خلع أحذيتهم، وأحيانًا رفع ملابسهم، للمشي عبر مساحات مائية متعددة. وتغيّر هذه الحركة البسيطة فورًا علاقتهم بالمكان. فلم يعد المتحف يسعى إلى تحفيز البصر فحسب، بل يُشرك أيضًا حاسة اللمس والتوازن والسمع، وأحيانًا حتى حاسة الشم.
تتوالى الغرف من دون التقيّد بنموذج صالات العرض التقليدية. بعضها يُغرق الزوار في ظلام دامس تقريبًا، بينما تتلاعب غرف أخرى بالمرايا لتوحي بأن المكان يمتد إلى ما لا نهاية. وقد تصبح الأرضيات مرنة، وتتغير الإضاءة باستمرار، وتصاحب الأصوات كل حركة. ويصبح المكان بأكمله عملا فنيًا يشارك الجسد فيه بصورة طبيعية. ويخالف هذا النهج الفكرة التقليدية القائلة إن الفن ينبغي أن يُحمى خلف الزجاج أو أن يُشاهد من بعيد. ففي "teamLab"، يستحيل على الزائر البقاء منفصلا تمامًا عما يدور حوله.
من أشهر الأعمال الفنية المعروضة "الكون البلوري اللانهائي". وتشكّل آلاف مصابيح "LED" المعلّقة كونًا مضيئًا شاسعًا يبدو كأنه يمتد بلا نهاية، بفضل المرايا المنتشرة في أرجاء الغرفة. وتتطوّر الألوان باستمرار، ويمكن للزوار التأثير حتى في بعض أنماط الإضاءة باستخدام تطبيق. ولذلك، لا يتخذ العمل الفني شكلا نهائيًا أبدًا.
أما "حديقة الزهور العائمة"، وهي مساحة أخرى أصبحت أيقونية، فتضم آلافًا من زهور الأوركيد الحقيقية المعلّقة من السقف. وبفضل نظام آلي دقيق للغاية، ترتفع الزهور وتهبط وفقًا لحركات الزوار. إنه شعور مذهل؛ إذ تبدو النباتات كأنها تتنفس بإيقاع الأشخاص الموجودين في الغرفة. وخلافًا لما قد يظنه المرء، ليست هذه زهورًا اصطناعية، بل زهور حيّة تُستبدل بانتظام للحفاظ على نضارتها.
وفي "كون الزهور المتساقط اللانهائي"، تتخذ الطبيعة بُعدًا رقميًا بالكامل. وتُغطّى الجدران تدريجيًا بحديقة افتراضية شاسعة تتوالى فيها الفصول من دون انقطاع. فتظهر الزهور، وتنمو، وتزهر، ثم تختفي قبل أن تفسح المجال لدورة جديدة. لا شيء ثابت، بل يصبح الزمن نفسه وسيلة فنية.
الزائر يغيّر العمل الفني
تكمن إحدى أبرز سمات مشروع "teamLab Planets" في التفاعل المستمر بين الجمهور والمنشآت الفنية. فالإبداعات لا تقوم بمعزل عن المشاهدين، بل تتفاعل معهم. ففي عمل "الرسم على سطح الماء"، يسير الزوار حفاةً في مياه ضحلة تُعرض عليها صور رقمية لأسماك الكارب. وعندما تلمس سمكة شخصًا، تختفي فورًا لتكشف عن زهرة. ويحدث هذا التحوّل بصورة مختلفة في كل مرة يمر فيها شخص. وبالتالي، تغيّر حركات كل زائر المشهد البصري بصورة مباشرة.
وتبلغ هذه الرغبة في إشراك الجمهور ذروتها في عمل "الثقب الأسود الناعم". فالأرضية شديدة النعومة تزعزع استقرار الزوار بصورة طبيعية، ما يضطرهم إلى تعديل مشيتهم للحفاظ على توازنهم. ويذكّر هذا الارتباك بأنّ إدراك الإنسان للفضاء يعتمد، إلى حد كبير، على جسده. وهكذا، يتحوّل المتحف إلى ساحة اختبار حسيّة تؤثر فيها كل حركة في كيفية تجربة العمل الفني.
وبينما تبهر أعمال "teamLab Planets" الزوار بتأثيراتها البصرية، يكمن الإنجاز الحقيقي في التقنيات التي تعمل بتكتّم في الخلفية. فتعرض أجهزة العرض عالية الدقة الصور على الجدران والأرضيات والماء، بينما ترصد كاميرات وأجهزة استشعار تعمل بالأشعة تحت الحمراء حركات الزوار بدقة متناهية. كما تستخدم بعض الأعمال الفنية أشعة الليزر، أو المحركات الروبوتية، أو برامج طُوّرت خصيصًا من قِبل فرق المجموعة.
لكن ثمة سمة مميزة تفصل هذه الإبداعات عن كثير من المعارض الرقمية؛ فالصور ليست مجرد مقاطع فيديو تُعرض بصورة متكررة، بل تُحسب في الوقت الفعلي بواسطة حواسيب تأخذ في الحسبان تفاعل الجمهور. ويُولَّد المشهد في كل ثانية بصورة فورية، لذا لن يرى زائران في المكان نفسه العمل الفني نفسه تمامًا. وتمنح هذه القدرة على التكيّف المستمر المتحف إحساسًا بالحياة يصعب محاكاته بالتقنيات التقليدية.
بعد ثماني سنوات من افتتاحه، لا يزال "teamLab Planets" يجذب ملايين الزوار من جميع أنحاء العالم. ويتجاوز تأثيره حدود اليابان بكثير، مؤكدًا النفوذ المتزايد للفنون الرقمية في المشهد الثقافي المعاصر. إنه أكثر من مجرد متحف مذهل؛ فهو يدعو الجميع إلى إعادة النظر في علاقتهم بالعمل الفني. وفيه، لا يكون المشاهد مجرد متفرج، بل يشارك، بحضوره وإيماءاته وحركاته، مشاركة كاملة في خلق عالم يتغير باستمرار أمام عينيه.
