جويل غسطين

"Beirut Art Days 2026" تلوّن الواقع بالثقافة والفنون

5 دقائق للقراءة

بينما لا يزال لبنان يواجه الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تنطلق الدورة الثالثة من فعالية "Beirut Art Days" لتؤكد أنّ المشهد الثقافي اللبناني لا يزال قادرًا على الصمود والإنتاج. فمن 24 إلى 27 حزيران 2026، تتحوّل بيروت، ومعها عددٌ من المناطق اللبنانية، إلى مساحة مفتوحة للفن والحوار والإبداع، عبر أكثر من 120 نشاطًا يشارك فيها نحو 40 فنانًا ومؤسسة ثقافية ومبادرة مستقلة.

الفعالية التي ترعاها وزارة الثقافة، وتنظّمها "L'Agenda Culturel"، تأتي هذا العام تحت شعار "الفن هو رأسمالنا"، في رسالة تعكس إيمان القائمين عليها بأن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا يمكن الاستغناء عنه في أوقات الأزمات، بل عنصر أساسي في الحفاظ على الذاكرة الجماعية وتعزيز الروابط الإنسانية وفتح مساحات للتعبير والتفكير.

على مدى الأيام الأربعة، تتنوع الأنشطة بين معارض فنية للوحات وصور، وعروض أدائية، وورش عمل فنية وتشكيلية، وندوات ومحاضرات ولقاءات ثقافية، وجولات وزيارات إلى متاحف ومعارض ومساحات ثقافية وفنية، بمشاركة صالات عرض ومراسم وفضاءات ثقافية ومتاحف في مختلف المناطق. والهدف تشجيع الجمهور على إعادة اكتشاف المشهد الثقافي اللبناني والتفاعل المباشر مع الفنانين والمبادرات الثقافية المحلية.

الثقافة في زمن عدم اليقين

لم يكن تنظيم دورة "Beirut Art Days" لعام 2026 مهمّة سهلة في ظل الظروف التي يمرّ بها لبنان. فبحسب مديرة "L'Agenda Culturel" ميريام نصر، لا تزال البلاد تعيش تحت وطأة تداعيات الحرب وما رافقها من حالة عدم يقين، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة والنزوح الذي طال العديد من العائلات. وتضيف نصر، في حديثها مع "نداء الوطن"، أنّه في خضم هذا الواقع المعقّد، واجه القائمون على الحدث سلسلة من التحديات اللوجستية والمالية التي فرضت عليهم جهدًا إضافيًا للحفاظ على استمرارية الفعالية وإخراجها إلى النور.

لكن التحدي لم يقتصر على الجوانب التنظيمية فحسب، بل تعدّاه إلى مسألة أكثر عمقًا تتمثل في ترسيخ القناعة بأن الثقافة لا تزال ضرورة في حياة الناس، حتى في أصعب الأوقات. من هذا المنطلق، اختارت "المفكرة الثقافية" وفريق العمل المضي قدمًا في تنظيم الحدث، رافضين أن تظل الساحة الثقافية خالية أو أن تتراجع مساحات اللقاء والحوار التي يتيحها الفن. فقد آمنوا بأن الثقافة قادرة على جمع الناس حول قيم الإبداع والتواصل الإنساني، وأن استمرار هذه المبادرات يشكّل بحد ذاته رسالة صمود وأمل في وجه كل ما يحيط بالمشهد اللبناني من تحديات.

خيار الضرورة

كان من الطبيعي أن يُطرح سؤال التأجيل أو الإلغاء في مثل هذه الأوقات العصيبة التي يمرّ بها البلد. كان الإلغاء بلا شك الخيار الأسهل، تقول نصر، التي تضيف أنّ الاستمرار كان الخيار الضروري، فالثقافة قد لا تمتلك حلولا مباشرة للأزمات الاقتصادية أو السياسية، لكنها قادرة على أن تفتح فسحة للأمل والتأمل والتواصل الإنساني في أوقات يحتاج فيها الناس إلى ما يجمعهم أكثر من أي وقت مضى.

لم يمرّ تأثير الحرب على المؤسسات الثقافية مرورًا عابرًا، إذ اضطر العديد منها إلى تعديل برامجها وإعادة ترتيب أولوياتها. في حين وجد الفنانون أنفسهم يبدعون في ظروف يخيّم عليها القلق وعدم الاستقرار. ومع ذلك، أظهر القطاع الثقافي اللبناني قدرة استثنائية على المقاومة. فالمتاحف والمعارض والمساحات الفنية واصلت نشاطها، واستمر الفنانون في إنتاج أعمالهم، وكأنهم يبعثون برسالة جماعية مفادها أن الإبداع لا يخضع للظروف، بل يجد دائمًا طريقه إلى الحياة.

الفن هو رأسمالنا

شعار "الفن هو رأسمالنا" لم يأتِ اعتباطًا، بل جاء ليختصر رؤية القائمين على "Beirut Art Days 2026" لمكانة الثقافة في لبنان ودورها في مواجهة الأزمات. فبينما استنزفت السنوات الماضية الكثير من مقدرات البلاد وأثقلت كاهل أبنائها بالتحديات، بقي الإبداع واحدًا من الكنوز القليلة التي ما زالت عصية على التآكل والخسارة.

في هذا الإطار، ترى نصر أن الفن والثقافة هما من أهم الموارد التي يمتلكها لبنان، ليس فقط بوصفهما مساحة للتعبير الجمالي، بل باعتبارهما مصدرًا للهوية والحوار والابتكار والحضور الثقافي على الساحة الدولية. ومن هنا، يحمل الشعار رسالة واضحة مفادها أن الثقافة ليست هامشًا في حياة المجتمع، بل رصيد حقيقي يمكن البناء عليه واستثماره في رسم ملامح المستقبل.

اكتشاف ولقاء

لا يقتصر هدف الفعالية المرتقبة على زيارة معرض أو حضور ورشة عمل، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء جسور التواصل بين الناس. فكل مساحة ثقافية تُدعَم، وكل فنان يُكتشَف، وكل تجربة فنية تُعاش، تسهم في إبقاء المشهد الثقافي اللبناني حيًا.

من هنا، يأمل منظمو "Beirut Art Days" أن يغادر الزوار والمشاركون في الأنشطة وهم يحملون شيئًا من الإلهام والأمل، وأن يكتشفوا أماكن وأصواتًا فنية جديدة، وأن يتذكروا أن الجمال يبقى موجودًا رغم كل شيء. ففي مدينة اعتادت مواجهة الأزمات، يبقى الفن أحد أكثر أشكال المقاومة الهادئة وأكثرها قدرة على منح الحياة معنى جديدًا. وفي كل معرض أو لقاء أو مساحة فنية تُفتح أبوابها، تتجدد قناعة بأن الثقافة تبقى إحدى أقوى وسائل الصمود، وأن بيروت، مهما أثقلتها التحديات، ستظل مدينة تنبض بالفن والحياة وتحمل في داخلها قدرة دائمة على البدايات الجديدة.

تفاصيل برنامج "Beirut Art Days 2026" متوافرة على الموقع الإلكتروني: www.agendaculturel.com/beirut-art-days