جوزف إسكندر

إسبانيا "النخبة" ضد أرجنتين "الروح" في النهائي

4 دقائق للقراءة
الرقصة الأخيرة لميسي أمام إعصار الفتى المعجزة يامال

حبس عالم كرة القدم أنفاسه وتهيأت منصة ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي لتشهد الفصل الأخير والأكثر إثارة في تاريخ المونديال. إنها الموقعة المنتظرة التي تجمع بين بطل أوروبا الشرس وعملاق التكتيك الحديث منتخب إسبانيا وحامل اللقب العالمي وكبرياء الكرة اللاتينية منتخب الأرجنتين. لم تكن طريق الفريقين إلى هذا النهائي التاريخي مفروشة بالورود بل شُقت بالدموع والخطط العبقرية وصراع الإرادات. ومع اقتراب صافرة البداية تضج المواقع الرياضية العالمية بتحليلات تصف هذا النهائي بـ "صدام الهوية والأسلوب" حيث يلتقي الانضباط الأوروبي الصارم بالجنون والروح الأرجنتينية التي لا تقهر.

وما يزيد من إثارة هذه القمة وجاذبيتها التاريخية هو ندرة المواجهات الرسمية بين العملاقين، إذ يكاد لا يصدق عشاق الساحرة المستديرة أن تاريخ كرة القدم الطويل لم يشهد سوى مواجهة رسمية وحيدة جمعت بين إسبانيا والأرجنتين في البطولات الكبرى. كان ذلك في مونديال إنكلترا عام 1966 ضمن دور المجموعات وحينها حسمت الأرجنتين اللقاء لصالحها بنتيجة (2-1) بفضل ثنائية نجمها لويس أرتيمي. ومنذ ذلك الصيف البعيد قبل نحو ستة عقود تجنب العملاقان اللقاء في أي معترك رسمي واقتصرت مبارياتهما على المواجهات الودية مما يجعل نهائي هو اللقاء الرسمي الثاني.


وصلت إسبانيا إلى المشهد الختامي بعد أن قدمت درساً تكتيكياً لا يُنسى أمام فرنسا في نصف النهائي وهزمتها بهدفين نظيفين بأداء وصفته الصحافة العالمية بـ "المثالي والمخيف". لقد نجح المدرب لويس دي لا فوينتي في تفكيك خطورة "الديوك" تماماً، وركزت الصحف الإسبانية مثل "ماركا" و"آس" على عبقرية المنظومة التي حرمت كيليان مبابي من المساحات وشلّت قدرة فرنسا على الارتداد مما دفع بمبابي للاعتراف علناً بأن خطتهم تحطمت أمام قطار الاستحواذ الإسباني. في هذا الخط الهجومي المرعب واصل الفتى المعجزة لامين يامال إثارة الفزع في قلوب المدافعين حيث علّق المحللون في شبكة "فوكس سبورتس" قائلين إن الرعب الحقيقي يدب في النفوس في كل مرة يلمس فيها يامال الكرة. تدخل إسبانيا النهائي وهي تملك أقوى خط دفاع في البطولة حيث لم تهتز شباكها سوى بكرة واحدة فقط طوال مشوارها مدعومة بسلسلة لاهزيمة تاريخية بلغت 37 مباراة متتالية مما يمنحها أفضلية تكتيكية ونفسية هائلة.


على الجانب الآخر تأهلت الأرجنتين لنهائي الأحلام بعد ملحمة دراماتيكية تفوق الخيال أمام إنكلترا، حيث قلبت تأخرها بهدف إلى فوز مثير بهدفين لهدف. وعقب تلك المعركة كشفت الإحصائيات التي تداولتها الصحف البريطانية مثل "ذا غارديان" عن إعصار هجومي أرجنتيني مرعب ففي الدقائق التي تلت هدف إنكلترا وحتى تسجيل لاوتارو مارتينيز لهدف الفوز حظي الإنكليز بـ 12% فقط من الاستحواذ. لقد تم سحق تكتيك توماس توخيل الدفاعي تحت وطأة الإصرار اللاتيني والضغط العالي الخانق. وفي تلك الليلة لم يكن ليو ميسي مجرد لاعب بل كان القائد الملهم الذي صنع المعجزات من تحت الرماد وقاد الانتفاضة بتمريراته الحاسمة. الأرجنتين التي سجلت 19 هدفاً في البطولة كأقوى خط هجوم أثبتت للعالم أنها تمتلك شخصية حديدية تجعلها تنحني ولا تنكسر وتملك القدرة على العودة من أي مأزق طالما أن ميسي يرتدي القميص رقم عشرة.


هذا النهائي هو مواجهة كلاسيكية كبرى بين أفضل دفاع في المونديال وأقوى هجوم. صراع يضع خبراء كرة القدم في حيرة حقيقية لتحديد هوية البطل. تكمن قوة الإسبان في الهيمنة المطلقة على وسط الملعب والتحولات السريعة الصاعقة عبر يامال وميكيل اويارزابال لكن يعيبهم قلة خبرة بعض العناصر الشابة في مثل هذه المواعيد الكبرى. وفي المقابل تمتاز الأرجنتين بالمرونة التكتيكية العالية والروح القتالية الجارفة إلا أن اندفاعهم الهجومي قد يترك مساحات قاتلة في الخلف يستغلها الماتادور الإسباني. الحسم في هذه السهرة الكروية سيتوقف على قدرة إسبانيا في الحفاظ على برودة أعصابها وحرمان الأرجنتين من الكرة مقابل مراهنة "التانغو" على ومضات ميسي الإعجازية والاندفاع الروحي الذي يكسر كل قوالب الخطط الجافة.


تصب التوقعات الرقمية الأولية في مصلحة إسبانيا بنسبة طفيفة نظراً للتكامل الجماعي الرهيب الذي شلّ حركة فرنسا لكن الإجماع الرياضي يظل ثابتاً: لا يمكن أبداً ترشيح أي فريق للفوز بشكل قاطع عندما يتواجد ليونيل ميسي على أرض الملعب. ستكون هذه الموقعة لوحة تعبيرية مبهرة تجمع الأسطورة ميسي في رقصته المونديالية الأخيرة بمواجهة الصبي الصغير لامين يامال الذي يبحث اليوم عن سحب البساط من تحت قدمي ملهمه ليتوج ملكاً جديداً على عرش العالم في ليلة لثأر تاريخي عمره 60 عاماً ولن ينساها تاريخ الساحرة المستديرة.