ميشال طوق

تغيير النظام السياسي: بين شرعية الدستور وضرورة اللحظة الوطنية

3 دقائق للقراءة
يشكل مجلس النواب المسار الأساسي لأي تعديل دستوري

عندما نتحدث عن تغيير النظام السياسي في لبنان، فنحن لا نتحدث عن مجرد تعديل مواد دستورية أو إعادة توزيع بعض الصلاحيات بين المؤسسات. نحن نتحدث عن إعادة صياغة العقد الذي يجمع اللبنانيين، عن شكل الدولة التي يريدونها، وعن القواعد التي ستحدد طريقة عيشهم المشترك لعقود مقبلة. لذلك، فإن هذا الموضوع لا يحتمل الشعارات السريعة ولا الطروحات الانفعالية، بل يحتاج إلى مقاربة هادئة وعميقة تنطلق من سؤالين أساسيين: كيف يتم تغيير النظام؟ ومتى يصبح هذا التغيير ممكنًا وناجحًا؟

أولا، لا يمكن لأي تغيير سياسي حقيقي أن يولد خارج الإطار الدستوري. فالدساتير لم توضع فقط لتنظيم عمل المؤسسات، بل لحماية الدولة من منطق القوة والفرض. وبالتالي، فإن تغيير النظام السياسي يجب أن يمر عبر القنوات التي حددها الدستور نفسه، لا عبر تسويات ظرفية أو ضغوط تفرضها موازين القوى.

في لبنان، يشكل مجلس النواب المسار الأساسي لأي تعديل دستوري، باعتباره السلطة المخولة مناقشة واقتراح وإقرار التعديلات ضمن الأصول الدستورية. فالمجلس النيابي، عندما يمارس دوره التشريعي، لا يعدل نصوصًا فقط، بل يعيد رسم قواعد اللعبة السياسية التي تحكم الدولة. كما يبقى المجلس الدستوري أحد أهم الضمانات التي تحمي هذا المسار، إذ إن دوره لا يقتصر على مراقبة القوانين، بل يرتبط بحماية روح الدستور ومنع تحويله إلى أداة تخدم مصالح ظرفية.

لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن أي نظام سياسي، مهما كان متطورًا على الورق، يبقى عاجزًا إذا لم يستند إلى توازن سياسي واجتماعي يسمح بتطبيقه. فالدستور لا يعيش في الكتب، بل يعيش بين الناس. والنظام لا ينجح فقط لأن مواده مكتوبة بعناية، بل لأن الأطراف التي تقوم عليها الدولة تشعر بأنها شريكة فيه، وليست خاضعة له.

وهنا نصل إلى السؤال الأصعب: متى يمكن تغيير النظام في لبنان؟

إن تغيير النظام في لحظة يكون فيها ميزان القوة مختلا بين المكونات اللبنانية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، لأن أي صيغة جديدة ستُقرأ عندها على أنها انتصار طرف على طرف، لا اتفاقًا وطنيًا جامعًا. وفي ظل وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة، يصبح الحديث عن إعادة صياغة النظام السياسي مرتبطًا بشكل مباشر بمسألة التوازن والقدرة على اتخاذ القرار بحرية.

فلا يمكن بناء نظام جديد على قاعدة يشعر فيها فريق بأنه يدخل المفاوضات تحت ضغط السلاح أو الخوف. إن أي عملية تأسيسية تحتاج إلى مساواة حقيقية بين جميع الأطراف، وهذه المساواة لا تتحقق إلا عبر أحد خيارين: إما أن تصبح القوة موزعة بين الجميع ضمن منطق توازن الرعب، وهو طريق لا يؤدي إلى قيام دولة فعلية، أو أن تستعيد الدولة وحدها حقها الطبيعي في احتكار القوة والسلاح، فيصبح جميع اللبنانيين متساوين أمام القانون.

لذلك، فإن لحظة تغيير النظام ليست لحظة يحددها التعب من النظام القائم، ولا الغضب من أزماته، بل لحظة تصبح فيها شروط التغيير متوافرة. فلبنان لا يحتاج فقط إلى دستور جديد، بل إلى ظروف جديدة تسمح لهذا الدستور بأن يكون عقد شراكة لا وثيقة صراع.

فالنظام السياسي الذي يستمر ليس هو النظام الذي يُفرض، بل النظام الذي يشعر الجميع أنهم كانوا شركاء في بنائه. وعندما تصبح الدولة هي المرجعية الوحيدة، يصبح تغيير النظام فرصة لإنقاذ لبنان، لا جولة جديدة من صراعاته.