انحازت شرائح وازنة من رجال الدين اليهود إلى معارضة مشروع إقامة وطن قومي لليهود، ومعارضة حامليه في القرن التاسع عشر، أي منظّمي الحركة الصهيونيّة. ولا يتّسع هذا المقال لتفصيل جميع أسباب اعتراض الحاخامات على أطروحة ثيودور هرتزل ورفاقه بشأن ضرورة التحرّر الوطني لليهود. غير أنّه يمكن اختصار أبرز أسباب هذا الاعتراض في ثلاثة عوامل: دينيّة، ومصلحيّة، وسياسيّة.
فعلى المستوى الديني، حاجج حاخامات معادون للصهيونيّة بأنّها تمثّل انحرافًا عن اليهوديّة، لأنّ إقامة دولة اليهود، بحسب معتقدهم، هي من شأن المسيح المنتظر، لا جماعة سياسيّة منظّمة. أمّا على المستوى المصلحي، فقد خشي رجال الدين على مكانتهم بوصفهم قادة للشعب اليهودي إذا نجح هرتزل وورثته في كسب ولاء اليهود. وسياسيًّا، خاف الحاخامات من أن يؤدّي قيام وطن قومي يهودي إلى تعريض اليهود المقيمين خارجه لاتّهامات بالولاء المزدوج، أي بالوطنيّة الناقصة، في بلدان الشتات. وقد كانت معارضة المؤسّسة الدينيّة العنيدة أحد أسباب تعثّر الحركة الصهيونيّة في بداياتها. ومن المعلوم أنّ الصهاينة ظلّوا، لسنوات طويلة، أقليّة بين اليهود، ولا سيّما بين يهود أوروبا الغربيّة وأميركا الشماليّة.
والحال أنّ الصهاينة الأوائل واجهوا معارضة شديدة، لا من المؤسّسة الدينيّة اليهوديّة فحسب، بل أيضًا من دعاة اندماج اليهود في مجتمعات الشتات بوصفهم مواطنين لا يحتاجون إلى مشروع قومي خاصّ. بخلاف أنصار الوطن القومي، حاجج الاندماجيّون بأنّ اليهود طائفة دينيّة، لا شعب يبحث عن وطن. رأى هؤلاء، بمعنى آخر، أنّ يهود روسيا هم مواطنو روسيا، ويهود بولندا مواطنو بولندا، ويهود ألمانيا مواطنو ألمانيا، وهكذا. كما تفاءلوا بأنّ ترسّخ المواطنة سيقضي تدريجيًّا على التمييز الديني ومعاداة الساميّة، وأنّ صعود العلمنة كفيل بحل معضلة الأقليّات الدينيّة، ومنها اليهود.
وفي هذا الإطار، انحاز عشرات الآلاف من اليهود إلى البونديّين، وهم يهود يساريّون عارضوا الصهيونيّة باعتبارها مشروعًا يضرّ بمصالح البروليتاريا اليهوديّة. حاجج البونديّون بأنّ الماركسيّة، لا الوطن القومي، هي الطريق إلى الخلاص.
وتحت وطأة دعايتَي رجال الدين المعادين للصهيونيّة والبونديّين اليساريّين، راهن ملايين اليهود على الاندماج في أوروبا بدل مغادرتها في أقرب فرصة. ثمّ وصل النازيّون إلى السلطة في ألمانيا، فلم تحمِ الإسكاتولوجيا الدينيّة، ولا يوتوبيا اليسار، أحدًا من المحرقة.
والحال أنّ في مأساة اليهود الأوروبيّين درسًا مزدوجًا لكل جماعة طامحة إلى التحرّر الوطني. أوّلا، قد تكون المؤسّسة الدينيّة فيها خصمًا عنيدًا لها، لا سندًا. وثانيًا، لا مفر من الصراع الإيديولوجي الداخلي في الجماعة، إلى جانب صراعها مع من يعاديها. ذلك أن العلاقة بين دعاة اندماج الجماعة وأنصار تحرّرها الوطني هي، في جوهرها، علاقة نفي متبادل: تقدّم أحد الفريقين يعني، بالضرورة، تراجع الآخر، والعكس.