بيرلا حيدر

مونديال 2026 في مصيدة التسلل الأيديولوجي

6 دقائق للقراءة

تتعامل البشرية مع كرة القدم بصفتها أضخم حاضنة لصناعة الذكريات وتخزين المشاعر المشتركة، فهي المساحة الحرة التي يمكن فيها تفكيك العالم وإعادة تركيبه في تسعين دقيقة. إلا أن ما شهدته ملاعب مونديال 2026 قدّم نموذجاً غير مسبوق في إعادة صياغة الوعي الرياضي والسياسي على حدّ سواء.

لم يكن هذا الحدث مجرد استعراض للقوة البدنية أو التكتيكات المعقدة، بل تحوّل في عمقه إلى منصة دولية لتصفية حسابات جيوسياسية كبرى، حيث تجلّى عجز الإنسانية في التمييز الفاصل بين أمرين شديدي الاختلاف: البعد السياسي العضوي المتجذر في تاريخ اللعبة وفي هوية الشعوب، وبين التسييس الاصطناعي السريع الذي يلبس المباريات عباءات أيديولوجية مستعارة.

بدأ هذا التوظيف الاستراتيجي مع نيل الولايات المتحدة الحصة الأكبر من البطولة. مرّرت الماكينات الإعلامية هنا سردية "الهدنة المؤقتة"، مروّجة صورة الملاعب وكأنها القوة السحرية التي أوقفت الحرب في الشرق الأوسط. وبلى، يمكن لكرة القدم أن تصنع المعجزات، يمكنها أن توحّد شعوباً شتّتها التاريخ، وأن تمنح المهمّشين صوتاً، وأن تخلّد لحظات من الشغف الإنساني الخالص، لكنها قطعاً لا تملك معجزة إجبار الإمبراطوريات العسكرية على تجميد ترساناتها. الخدعة تكمن هنا تحديداً: لقد استغلت القوى الكبرى رغبة الشعوب في تصديق معجزات اللعبة، فأعادت ضبط إيقاعها السياسي مؤقتاً ليناسب توقيت المهرجان، وحوّلت المونديال إلى واجهة علاقات عامة تبيع وهماً بسلام مؤقت لعالم ينتظر فقط انتهاء البطولة لتعود صراعاته وتشتعل من جديد.

وفي عمق الملاعب، بدت الحاجة ملحّة للتمييز بين السياسة التي تنبت من أحشاء التاريخ، وبين تلك التي تُفرض كقناع مستعار.

فعندما التقت إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي البطولة منذ بضعة أيام، لم تكن السياسة مجرد قشرة خارجية، بل بركاناً من الحساسية التاريخية المتفجرة، مشحوناً بإرث تراكمي ثقيل. هذا الصدام تغذّى مباشرة من جذور صراع حقيقي على جزر "الفوكلاند" (المالفيناس)، ومن الإرث الدرامي لمواجهة مونديال 1986 الشهيرة، حين ثار دييغو أرماندو مارادونا بـ"يد الله" لكرامة شعب جُرح كبرياؤه العسكري.

في هذا السياق، وقف الوعي أمام مواجهة سياسية مشروعة، نبعت من صلب الذاكرة الوطنية الحية والأحداث الممتدة عبر الأجيال، حيث حمل اللاعبون والجماهير التاريخ في قمصانهم كجزء لا يتجزأ من هويتهم الرياضية.

في المقابل، ظهر التسييس "الهجين" كحالة من الإفلاس الفكري، عندما قفزت المنصات الرقمية فوق هذا العمق العضوي لتبتكر معارك افتراضية بالوكالة. هذا الفرز القسري لم يأتِ من فراغ، بل كان انعكاساً مشوّهاً لتموضعات دبلوماسية حقيقية تم ابتلاعها شعبياً وإعادة إنتاجها كروياً بنوع من المبالغة والابتذال، حيث، وعلى سبيل المثال، تم إلباس المنتخب الإسباني رداء الحق الفلسطيني، ووضع المنتخب الأرجنتيني في خندق إسرائيل.

إن إسقاط الهوية الفلسطينية على منتخب إسبانيا تغذّى مباشرة من المواقف الدبلوماسية الأخيرة والمفاجئة لحكومة بيدرو سانشيز، بدءاً من اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، وصولاً إلى انتقاداتها الصريحة وغير المعتادة أوروبياً للممارسات الإسرائيلية. هذا التموضع السياسي التقطته الجماهير المتعطشة لأي انتصار معنوي، وبمساعدة خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، تحوّل الموقف الدبلوماسي إلى هوية كروية، فبات قميص "الماتادور" في وعي المنصات الرقمية وكأنه درع للدفاع عن القضية، وكأن لاعبي إسبانيا ينزلون إلى الميدان حاملين الكوفية على أكتافهم.

على المقلب الآخر، تم إلقاء المنتخب الأرجنتيني في الخندق المقابل كرمز لإسرائيل، ليس بناءً على موقف لاعبي الفريق، بل بفعل الانعطافة الراديكالية في السياسة الخارجية لبوينوس أيرس. فالقيادة الأرجنتينية الحالية تبنّت انحيازاً مطلقاً وغير مشروط لتل أبيب، تجسّد في تصريحات أيديولوجية صارخة من الرئيس خافيير ميلي، وزيارات رمزية عالية المستوى، وتصويت منحاز في المحافل الدولية.

هذا التماهي الحكومي الكامل تم إسقاطه على كتيبة "التانغو"، ليتحوّل منتخب ميسي إلى مجرد "أفاتار" يمثل معسكراً سياسياً يرفضه الكثير من مشجعيه.

هنا تحديداً يكمن عمق الإفلاس الفكري، إذ تم اختزال صراع وجودي وتاريخي معقّد، تسيل فيه دماء حقيقية وتُباد مدن، إلى مجرد مباراة بين دولتين يربطهما إرث ثقافي ولغوي وتنافس رياضي بحت. هذا الاستهلاك الرقمي لا يخدم القضايا الإنسانية، بل يسطّحها ويفرغها من ثقلها الأخلاقي، ويحوّل المأساة إلى وقود للتلاسن الافتراضي.

إنه الهروب نحو الحلول السهلة، حيث يُطلب من 22 لاعباً يركضون خلف قطعة جلد مدوّرة أن يحسموا بركلاتهم صراعاً عجزت عنه أروقة الأمم المتحدة، وكأن الفوز بالمباراة يمكن أن يعوّض، ولو لثانية واحدة، غياب العدالة على أرض الواقع.

هذا الهوس بالاختزال الجيوسياسي لم يتوقف عند حدود صناعة الرموز، بل تمدّد لينتج حالة من البارانويا السياسية الجماعية التي التهمت المنطق الرياضي بالكامل. تجلّى ذلك بوضوح في ردود الفعل العنيفة والخطاب الذي صاحب خروج منتخب مصر من البطولة، فالمباراة على أرض الملعب لم تشهد أخطاء تحكيمية كارثية أو انحيازاً مؤسساتياً فاضحاً لإسقاط الفراعنة، بل سارت الأمور في سياق تنافسي طبيعي للغاية.

ورغم ذلك، سارعت الجماهير والمنصات إلى إلباس الخروج الرياضي البحت رداء المؤامرة الدولية، وضجّت التحليلات بنظريات تزعم وجود قرار سياسي مسبق لتخسير الدول العربية وإقصائها. هذا الجدل يكشف عمق الأزمة السلوكية الحالية، حيث بات الوعي الجماعي عاجزاً عن تقبّل الهزيمة الرياضية العادية من دون مغلّف من المظلومية الجيوسياسية، محوّلاً صافرة الحكم العادية إلى مؤامرة دولية.

إن هذا التدجين الثقافي انطلت حيلته على ملايين المشجعين نتيجة ضيق الخيال السياسي العالمي، فالمعضلة الأساسية لم تكن في الكرة، بل في أن سقف التطلعات البشرية قد انكمش إلى درجة لم نعد نتخيّل فيها انتصاراً واضحاً أو عدالة ناجزة إلا داخل الحدود البيضاء للمستطيل الأخضر.

لقد اندفعت الجماهير نحو تسييس المباريات بتلك الطريقة الهزلية بحثاً عن النهايات المغلقة والحلول الحاسمة التي يعجز الواقع المعاش عن تقديمها، مستعيضةً بالانتصارات الكروية عن الهزائم التاريخية المستمرة.

في النهاية، يقف مونديال 2026 شاهداً بارزاً على الكيفية التي يمكن بها إعادة تدوير العواطف الحيّة للشعوب وصياغتها ضمن قوالب جاهزة. الأزمة لم تكن يوماً في أن كرة القدم تتنفس السياسة، فاللعبة لطالما كانت مرآة للمجتمعات، بل في المحاولات المستمرة لتحويل صرخة المدرجات العفوية إلى بيان دبلوماسي مشحون بأجندات سياسية.

وفي نهاية اليوم الرياضي، يخرج المشجع من هذه التجربة وهو يظن أنه أحدث فارقاً في مسار الكون بمجرد إطلاق صفارة النهاية، بينما الحقيقة تؤكد أنه استهلك طاقته العاطفية في معركة وهمية، صُمّمت بدقة لتنتهي صلاحيتها فور خروج اللاعبين من نفق الملاعب.