جوزف إسكندر

كيف تحوّل كأس العالم إلى ماكينة أموال؟

5 دقائق للقراءة
تضاعف راتب رئيس الفيفا "جياني إنفانتينو" أربع مرات منذ توليه منصبه

من المتوقع أن يحقق الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في مونديال 2026 أعلى إيرادات في تاريخه لتصل إلى 13 مليار دولار وفقاً لتقريره المالي. المفارقة أن الفيفا منظمة "غير هادفة للربح" تهدف أساساً لتطوير اللعبة عالمياً لكن البطولة تحولت إلى أضخم فرصة تسويقية تدر ملايين الدولارات في ثوانٍ معدودة. وتجني الفيفا هذه الأرباح وحدها دون أن تتحمل تكاليف التنظيم إذ يقع العبء المالي الكامل من أمن ونقل وتحديث بنية تحتية وتكاليف تشغيلية على عاتق المدن والدول المستضيفة التي لا تنال نصيباً من هذه الأرباح بينما تكتفي الفيفا بمنحها "شرف الاستضافة" معلنة أنها ستستثمر 11.6 مليار دولار لتطوير اللعبة عالمياً.

وفي المقابل كشف التقرير المالي لعام 2025 عن تضاعف راتب رئيس الفيفا "جياني إنفانتينو" أربع مرات منذ توليه منصبه حيث بلغت مكافأته السنوية 2.6 مليون فرانك سويسري (تجاوزت 3 ملايين دولار) ليتخطى إجمالي حزمته السنوية بالحوافز والمكافآت 6 ملايين دولار. كما تتقاسم قيادات وأعضاء الفيفا مخصصات تصل إلى 37 مليون دولار.

أما بالنسبة لمصادر الأرباح وتصنيف الرعاة تتوزع إيرادات المونديال المتوقعة على مصادر رئيسية تشمل: حقوق البث المستهدفة لحوالي 4 مليارات دولار ومبيعات التذاكر والضيافة التي ستتجاوز 3 مليارات دولار والتراخيص بنحو 111 مليون دولار بالإضافة إلى الرعاة والمعلنين بحصة تقارب 3 مليارات دولار (متجاوزة الرقم القياسي لمونديال قطر البالغ 1.8 مليار دولار).

وفي إطار تعزيز إيراداتها، قسّمت الفيفا الرعاة إلى ثلاث فئات:

• شركاء الفيفا العالميون (FIFA Global Partners): يدفعون ما بين 150 إلى 200 مليون دولار لعقد مدته 4 سنوات مقابل حقوق شاملة في كل البطولات وتضم: كيا، هيونداي، كوكا كولا، أرامكو، أديداس، الخطوط الجوية القطرية وفيزا.

• رعاة كأس العالم (World Cup Sponsors): يمتلكون حقوقاً مرتبطة ببطولة 2026 مباشرة، ويدفعون من 80 إلى 100 مليون دولار، وتضم: ماكدونالدز، هايسنس، يونيليفر، بنك أوف أمريكا وبي بي.

• الداعمون الإقليميون (Regional Supporters): يركزون على مناطق محددة وضيافة الجمهور ويدفعون من 35 إلى 50 مليون دولار وتضم: إير بي أن بي، الخطوط الجوية الأمريكية، ذا هوم ديبو، دورداش وفالفولين.

كما شهد مونديال 2026 خطوة مثيرة للجدل بإقرار "استراحة شرب المياه" (Hydration Break ) كإجراء إجباري في الدقيقة 22 من كل شوط ولمدة 3 دقائق بغض النظر عن الطقس أو غطاء الملعب. ورغم تبرير الفيفا الإنساني بحماية اللاعبين في الصيف إلا أن الاستراحة تحولت إلى مصدر دخل تجاري يدر 250 إلى 300 مليون دولار كأرباح إضافية لقنوات البث.

شبكة "فوكس سبورتس" (التي اشترت حقوق البث بـ 485 مليون دولار) استغلت الاستراحات لقطع البث تماماً وعرض إعلانات بشاشة كاملة لمدة 6 دقائق في المباراة الواحدة برعاية "كوكا كولا". وبتقسيم مجمل دقائق الاستراحات في البطولة (624 دقيقة ممتدة عبر 104 مباريات) يتبيّن أن كل مباراة تمنح القناة 6دقائق إعلانية كاملة (أي 12 فاصلاً إعلانياً بقيمة 200 ألف دولار لكل 30 ثانية). هذه الحسبة تعني جني 2.4 مليون دولار كحد أدنى في المباراة الواحدة وهو ما يضمن للقناة تغطية وتعويض قيمة شراء حقوق البث كاملة من عوائد استراحات شرب المياه فقط!"

ورغم نفي إنفانتينو جني الفيفا أرباحاً مباشرة منها في 2026 إلا أنها ترفع قيمتها التفاوضية مستقبلاً وتجذب رعاة ومشروبات للطاقة يدفعون مبالغ طائلة للظهور أثناء شرب اللاعبين. وقد قوبلت الاستراحة بانتقادات حادة من مدربين وجماهير لتسببها في كسر إيقاع المباريات (كما حدث للعراق أمام النرويج) وتأخير اللعب لانتظار الفواصل الإعلانية (كما حدث في الافتتاح بين المكسيك وجنوب إفريقيا مع الحكم البرازيلي) وسط مخاوف من "أمركة" اللعبة وتحويلها لنمط البيسبول والسلة. ومن المتوقع استمرارها في مونديال 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.


سياسة الملاعب

اما بالنسبة لسياسة الملاعب تطبق الفيفا "سياسة الملعب النظيف" الصارمة لحماية رعاتها مانعة ظهور أي شعار غير ممول لها. في أمريكا أجبرت الفيفا الملاعب على تغيير أسمائها التجارية (المقترنة بشركات دافعة خارج الفيفا) والتخلي عن مسمياتها الأصلية فتحول ملعب "ميتلايف" إلى ملعب نيويورك وملعب "سوفي" إلى لوس أنجلوس وملعب "ليفايس" إلى سان فرانسيسكو وملعب "جيلات" إلى بوستن ستيديوم مع إلزامها بتغطية كافة الشعارات بالمدرجات والبوابات.

لكن شركات مثل "ليفايس" و"جيلات" حولت هذا الحظر إلى حيلة تسويقية عبقرية مجانية "ليفايس" غطت اسمها فقط بالإبقاء على الغطاء الأبيض متخذاً شكل شعارها الشهير (Batwing) وعممت هذا التصميم الأبيض في متاجرها وحساباتها مع عبارة ساخرة "ما الذي تنظر إليه؟"، ليتحول الأمر إلى تريند ضخم وفيديوهات متهكمة حققت صدى يفوق الرعاة الرسميين. بدورها غطت "جيلات" شعارها بما يشبه رغوة الحلاقة ونشرت الصورة معلقة: "على الأقل سمحوا لنا باختيار كيفية التغطية"، ليتحول جشع الفيفا إلى أكبر فرصة تسويقية مجانية لهما على حساب اللعبة التي تخشى الجماهير سلب جوهرها وتحويل مبارياتها مستقبلاً إلى مجرد فواصل بين الإعلانات.