جان الفغالي

سقوط مسار إسلام آباد يؤكد صوابية خيار لبنان

3 دقائق للقراءة

في السياسة، تُقاس الصوابية بقدرتها على الصمود أمام تبدّل الظروف. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى رفض الدولة اللبنانية ربط موقفها بمسار اتفاق إسلام آباد، كما دعا إليه "حزب الله"، باعتباره قرارًا حافظ على هامش من الاستقلال السياسي، خصوصًا أن الحسابات الاستراتيجية للدول تتغيّر تبعًا لمصالحها الوطنية.

كان منطق الداعين إلى التزام مسار إسلام آباد يقوم على اعتبار أن هذا المسار سيشكّل إطارًا سياسيًا مستقرًا يمكن للبنان أن يبني عليه خياراته.

فإذا كانت إيران نفسها قد علّقت موافقتها على اتفاق إسلام آباد، فإن ذلك يعكس أن الدول، مهما كانت طبيعة تحالفاتها، تُبقي قراراتها خاضعة لمراجعة مستمرة وفقًا لمصالحها الوطنية وتقديرها للظروف المستجدة. ولو أن لبنان ربط سياسته رسميًا بهذا المسار، لوجد نفسه أمام مأزق سياسي يتمثّل في الدفاع عن خيار لم يعد يحظى بالدعم نفسه من أحد أبرز الأطراف المؤثرة فيه.

إن خصوصية لبنان تكمن في أنه ليس دولة قادرة على تحمّل كلفة المغامرات السياسية أو الارتهان لمحاور خارجية، فتركيبته الداخلية الدقيقة، وأزماته الاقتصادية والمالية، وحاجته المستمرة إلى الانفتاح على مختلف الدول، تجعل من استقلالية القرار السياسي ضرورة وطنية أكثر منها خيارًا سياسيًا. ولذلك، فإن تجنّب الارتباط الكامل بأي مسار إقليمي يمنح الدولة مرونة أكبر في التعامل مع المستجدات ويحميها من ارتدادات التحولات الخارجية.

حين تصبح السياسة اللبنانية مرتبطة بمواقف أطراف خارجية، فإن قدرة الدولة على تعديل خياراتها وفقًا لمصلحتها الوطنية تصبح محدودة، بينما يُفترض أن يكون القرار اللبناني نابعًا أولا من تقدير المؤسسات الدستورية للمصلحة اللبنانية.

لقد أثبتت تجارب عديدة في المنطقة أن الدول التي بنت سياساتها على رهانات خارجية وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة التموضع كلما تغيّرت أولويات حلفائها. أما الدول التي حافظت على قدر من الاستقلالية، فقد كانت أكثر قدرة على التكيّف مع المتغيّرات بأقل الخسائر الممكنة. ومن هنا، فإن رفض لبنان الالتزام المسبق بمسار قد يتعرّض للتجميد أو التعديل لاحقًا يمكن اعتباره تعبيرًا عن نهج أكثر حذرًا وواقعية.

تبدو الحكمة السياسية في الحفاظ على حرية القرار، فإذا كانت القوى الإقليمية نفسها تعيد تقويم خياراتها عندما تتغيّر الظروف، فمن الأولى أن يحتفظ لبنان بهامش حركة مستقل، يتيح له تعديل سياساته وفقًا لمصلحته الوطنية، لا وفقًا لتحولات الآخرين. وبهذا المعنى، فإن رفض التزام مسار إسلام آباد جنّب لبنان الوقوع في الفخ.