يستيقظ المواطن اللبناني كل صباح ليكتشف أن راتب الشهر الماضي لم يعد يكفي لمصاريف هذا الشهر، لا لأنه أنفق أكثر، بل لأن كلفة المعيشة ارتفعت مجددًا. فارتفاع أسعار النفط يرفع كلفة النقل والإنتاج والتوزيع، وأي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية أو ارتفاع في أسعار القمح والمواد الأولية ينعكس مباشرة على الأسواق اللبنانية التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد. وهكذا يصبح اللبناني أول من يدفع ثمن الأزمات العالمية، فيما يبقى راتبه ثابتًا وقدرته الشرائية تتراجع يومًا بعد يوم.
التضخم ليس قدرًا... بل فجوة في النص
يُصوَّر التضخم غالبًا وكأنه قوة طبيعية لا تستطيع الدولة مواجهتها، بينما الحقيقة أن التشريعات الحديثة وضعت منذ عقود آليات لحماية الأجور من تآكل القدرة الشرائية، أبرزها نظام الفهرسة (Indexation)، الذي يربط الأجر بمؤشر رسمي لكلفة المعيشة ويتحرك تلقائيًّا كلما ارتفعت الأسعار، ومن المستحيل تطبيقه في لبنان لاعتبارات عدّة. لذلك تتحرك الأسعار بلا سقف، فيما تبقى الأجور جامدة، فتتحول الزيادة في كلفة الحياة إلى خسارة مباشرة يتحملها العامل وحده. وبحسب إدارة الإحصاء المركزي، بلغ معدل التضخم التراكمي بين عامي 2013 و2023 نحو 647.8%، وهو رقم يكشف حجم الفجوة بين تطور الأسعار وثبات الأجور.
الأرقام لا تجامل
هذه ليست مجرد انطباعات معيشية، بل واقع تؤكده الإحصاءات. فبيانات "الدولية للمعلومات" أظهرت أن عدد الأشخاص الذين يعانون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي بلغ 1.65 مليون شخص بين كانون الأول 2024 وآذار 2025، ثم انخفض قبل أن يعاود الارتفاع إلى نحو 1.24 مليون شخص خلال الفترة الممتدة بين نيسان وتموز 2026.
كما لا يزال لبنان يتراوح بين المرحلة الثالثة (الأزمة) والمرحلة الرابعة (الطوارئ) في تصنيف انعدام الأمن الغذائي، فيما ارتفعت نسبة من يحتاجون إلى استجابة إنسانية عاجلة من 18% إلى 24% خلال عام 2026. أما الفقر النقدي، فتتراوح تقديراته بين 33% و40% من السكان، مقابل 12% فقط عام 2012، أي إن نسبة الفقر تضاعفت أكثر من ثلاث مرات خلال عقد واحد.
وتؤكد توقعات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) هذا المسار: فلبنان مرشّح لأن يتصدّر قائمة الدول العربية في معدل تضخم أسعار المواد الغذائية خلال عام 2026، بمعدل يبلغ 14.9%، بفارق كبير عن أقرب دولة عربية له وهي الكويت (7.2%)، فيما لا تتجاوز النسبة في دول الخليج الأخرى بضع نقاط مئوية. وعلى المستوى العالمي، يحتل لبنان المرتبة السابعة بين كل دول العالم في هذا المؤشر، خلف إيران (55.9%) والأرجنتين وتركيا، ما يضع أزمة الغذاء اللبنانية في خانة الأزمات الأكثر حدّة عالميًّا، لا الإقليمية فحسب.
سلّة السوبرماركت تكشف الحقيقة
القياس الحقيقي للتضخم لا يكون في المؤشرات الاقتصادية، بل في عربة التسوق. فوفق التقرير الأسبوعي للمكتب الفني لسياسة الأسعار في وزارة الاقتصاد والتجارة الصادر في 16 تموز 2026، ارتفعت أسعار الفاكهة بنسبة 20%، واللحوم ومشتقاتها بنسبة 21%، والحبوب بنسبة 15%، والمنتجات الزيتية بنسبة 15%، والخضار بنسبة 8%، والمعلبات بنسبة 8% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وتشير التقديرات إلى أن الأسرة اللبنانية المؤلفة من أربعة أفراد تحتاج اليوم إلى ما بين 400 و500 دولار شهريًا لتأمين الغذاء المتوازن فقط، من دون احتساب الإيجار، والكهرباء، والمياه، والطبابة، والتعليم، والاتصالات، والنقل.
وفي المقابل، لم يتجاوز الحد الأدنى الرسمي للأجور بعد آخر تصحيح 28 مليون ليرة لبنانية، أي ما يقارب 312 دولارًا، وهو مبلغ لا يكفي وحده لتغطية السلة الغذائية الأساسية. كما أشار رئيس الاتحاد العمالي العام إلى أن الحد الأدنى للأجور، إذا أُريد له أن يعكس كلفة المعيشة الفعلية، يجب أن يبلغ نحو 1200 دولار شهريًّا.
وهنا تتجلى المشكلة الأساسية: الموظف الذي يتقاضى بين 300 و500 دولار لا يستطيع عمليًّا تغطية الحد الأدنى من احتياجات أسرته، لأن مجموع النفقات الأساسية بات يتجاوز في معظم الحالات ألف دولار شهريًّا بين الغذاء والكهرباء والنقل والاتصالات والدواء وسائر متطلبات الحياة. وبالتالي لم تعد المشكلة في قيمة الراتب الإسمية، بل في انهيار قدرته الشرائية أمام تضخم مستمر لا يقابله أي تحديث قانوني للأجور.
حين تُدفع الكهرباء مرتين
ولا ينفصل غلاء المعيشة عن أزمة الطاقة. فرغم وجود تعرفة رسمية لمؤسسة كهرباء لبنان تبلغ نحو 27 سنتًا للكيلوواط ساعة، ما زالت ساعات التغذية غير كافية، ما يدفع معظم الأسر إلى الاشتراك في المولدات الخاصة بكلفة تقارب 60 سنتًا للكيلوواط ساعة، أي أكثر من ضعف التعرفة الرسمية.
وبذلك تدفع العائلة فاتورتين للحصول على خدمة واحدة: فاتورة رسمية، وأخرى للمولدات الخاصة، بينما يبقى الراتب على حاله فتتآكل قدرته الشرائية شهرًا بعد شهر.
والأسوأ أن هذا الواقع مرشح لمزيد من التراجع مع احتمال انخفاض ساعات التغذية الرسمية واستمرار أزمة الفيول، ما يعني ارتفاعًا إضافيًّا في كلفة المولدات الخاصة، في وقت لا يملك فيه المواطن أي بديل.
الثقة تُبنى حين يصبح الراتب كافيًا للحياة
المواطن الذي يعمل ثماني ساعات يوميًا لا يطلب امتيازات استثنائية، بل يطلب أن يكون راتبه قادرًا على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
فحين يصبح دخل الموظف بين 300 و500 دولار بينما تتجاوز نفقات أسرته الأساسية ألف دولار شهريًّا، ونسبة الفقر تلامس 40% من السكان، لا تعود المشكلة فردية، بل تتحول إلى خلل تشريعي واجتماعي يهدد الاستقرار الاقتصادي والأسري معًا. إن حماية القدرة الشرائية للأجور ليست منّة من الدولة، بل واجب دستوري يكرّس العدالة الاجتماعية ويحفظ كرامة الإنسان العامل. وما لم يُقرّ نظام قانوني دائم يربط الأجور بكلفة المعيشة ويضمن مراجعتها دوريًا، سيبقى الراتب رقمًا ثابتًا في مواجهة أسعار لا تعرف الثبات، وسيبقى اللبناني يعمل أكثر ليشتري أقل، إلى أن يصبح العمل نفسه عاجزًا عن تأمين أبسط مقومات الحياة.