عادت طبول الحرب الأميركية - الإيرانية لتُقرع بقوّة في الأيام الأخيرة، مع استئناف إيران استهداف ناقلات نفط وغاز عالمية في مضيق هرمز، والردّ الأميركي العنيف على خطوة طهران، الذي استهدف بنى تحتية في إيران. وفي حمأة الاستعدادات العسكرية الأميركية المتواصلة على قدم وساق على تخوم إيران، ومع هبوط مزيد من طائرات التزوّد بالوقود الأميركية في مطارات إسرائيلية، لم يعد السؤال: هل ستتجدّد الحرب الشاملة بين العدوتين اللدودتين، الولايات المتحدة وإيران؟ بل: متى؟
سؤال ملحّ آخر يُطرح بقوّة: هل تبادر إسرائيل إلى خوض غمار حرب جديدة منفردة مع نظام الملالي السقيم، عدوّها الوجودي، أم تنضمّ لاحقًا إلى أي حرب أميركية تُخاض ضدّ نظام آيات الله، وتكون بالتالي شريكًا مساهمًا فيها؟
لا ريب في أن الحروب الأخيرة التي نشبت بين الدولة العبرية والدولة الفارسية لم تَعُد بنتائج حاسمة بالكامل لأيّ طرف، ولم ترقَ إلى حدّ تسوية سياسية ما، بل تركت الدولتين في "ستاتيكو" الردع المتبادل، وإن كانت إسرائيل قد أنهكت، بلا شك، النظام في إيران وجعلته يصارع للبقاء. لذلك، وبما أن الدولة اليهودية تنظر إلى نظام آيات الله باعتباره التهديد الاستراتيجي الأوّل والأخطر لأمنها القومي، لا بل التهديد الوجودي لها، وليس فقط مجرّد خصم إقليمي تقليدي، فإن رغبة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الجامحة في مهاجمة إيران تبقى هي عينها، لا بل تتعاظم، خصوصًا مع عدم إبداء طهران أي مرونة في ملفها النووي، وصرفها الأنظار عنه لمصلحة ملف المضائق البحرية، ولا سيّما مضيق هرمز، الذي أضحى ورقة اقتصادية رابحة أجادت طهران استخدامها بقوّة.
عامل آخر يُضاف إلى العوامل التي تدفع الدولة العبرية إلى استئناف هجماتها على إيران هو العامل الداخلي الإسرائيلي، وتحديدًا الانتخابي. فنتنياهو يطيب له كثيرًا دخول الحلبة الانتخابية، التي تبدو محتدمة، على وقع صخب ميداني وساحات ساخنة تعيد بعض الشيء اللحمة والوحدة إلى المجتمع الإسرائيلي، الذي يستعيد تماسكه مع اندلاع أي حرب مع الخارج.
لكن، في الوقت عينه، يعي "بيبي" أن أي حرب جديدة مع إيران لن تكون نزهة، وتبقى، بتداعياتها العسكرية والاقتصادية، أكبر من أي حسابات انتخابية ضيّقة، لكونها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستقبل الأمن القومي الإسرائيلي، وبالعلاقة مع الولايات المتحدة، التي يبدو أنها لم تمنحه، حتى الآن، ضوءًا أخضر للمضي في رغباته الهجومية الجامحة.
أظهرت التجارب التاريخية أن أي مواجهة إسرائيلية واسعة النطاق مع إيران تحتاج إلى دعم عسكري وسياسي من بلاد "العمّ سام"؛ لأنه من دون هذا الدعم يصعب خوض مواجهة طويلة الأمد مع طهران، التي تمتلك قدرات صاروخية باليستية ألحقت، في جولات القتال الأخيرة، دمارًا بمدن إسرائيلية عدة، ناهيك عن شبكة الحلفاء - الأذرع الذين لا يزالون على قيد الحياة جزئيًا، من لبنان، مرورًا بالعراق، وصولا إلى اليمن. لذلك، يبقى الضوء الأخضر الأميركي ممرًا رئيسيًا وإلزاميًا لعبور الدولة العبرية إلى أي حرب جديدة مع نظام الملالي العليل.