يبدو أن هناك سباقًا محمومًا بين التصعيد العسكري والحراك الدبلوماسي على خطّ المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران. لقد بات الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعرف الإيرانيين وتكتيكاتهم الخبيثة جيّدًا، لذا اختار نهج تضييق الخناق عليهم من خلال توجيه ضربات موجعة إلى إيران، مع إبقاء الباب مفتوحًا إذا أرادت طهران التخلّي عن طموحاتها غير المنطقية والعودة إلى المسار الدبلوماسي. ومع مواصلة واشنطن تنفيذ ضرباتها الجراحية ضدّ الجمهورية الإسلامية، وردّ طهران بضرب الكويت والبحرين والأردن، ومهاجمتها سفنًا خلال عبورها مضيق هرمز، رأى الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان أن بلاده منخرطة في "حرب شاملة"، معتبرًا أنه "علينا أن نكون واقعيين ونقبل بالتداعيات الطبيعية لهذه المقاومة".
وسط هذه النيران التي تهدّد بإشعال المنطقة بأسرها، توعّد ترامب إيران بأن تدفع الثمن "أضعافًا مضاعفة" مقابل كلّ جندي أميركي يُقتل، وذلك بعدما أعلنت واشنطن أخيرًا مقتل ثلاثة عسكريين إضافيين وفقدان جندي رابع في العمليات. وذكر البيت الأبيض أنّ ترامب سيتوجّه مساء اليوم إلى قاعدة عسكرية في ولاية ديلاوير لاستقبال جثامين العسكريين الذين قُتلوا. جاء ذلك فيما أعلن المتمرّدون الحوثيون في اليمن حظر الملاحة البحرية على السعودية، في خطوة قد تفتح جبهة جديدة في الحرب الدائرة وتوسّع نطاق التهديد لإمدادات الطاقة والتجارة العالمية. وسارعت الخارجية السعودية إلى التنديد بحظر الملاحة البحرية على المملكة.
وبالتوازي مع الضربات والتهديدات والوعيد، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن الاتصالات الدبلوماسية مستمرّة مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن طهران تلقّت مقترحات عبر وسطاء. وكشف مسؤول إيراني كبير لوكالة "رويترز" أن الوسطاء قدّموا لطهران مقترحًا لتهدئة الحرب مع أميركا، ينصّ على وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بهدف إيجاد سبل لإحياء مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران. وأفاد مصدران حكوميان باكستانيان بأن وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني طلب من إسلام آباد استئناف دورها كوسيط، وذلك خلال زيارته الثانية إلى باكستان في أقلّ من أسبوع.
وأكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن بلاده ستواصل استهداف إيران ما دامت تشنّ هجمات على حركة الشحن التجاري العالمي، لكنه أبدى انفتاح واشنطن الدائم على حل دبلوماسي. وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن قواتها أعادت توجيه سبع سفن تجارية وعطّلت سفينة واحدة، حتى 20 تموز، لمنع هذه السفن من مغادرة الموانئ الإيرانية أو دخولها. وقُتل شخص وأصيب آخرون، الاثنين، في ضربات أميركية على تبريز في شمال غرب إيران، على بُعد أكثر من 1000 كيلومتر من الخليج. وأصيب آخرون في ضربات استهدفت مدينة أورميا الواقعة في المحافظة المجاورة. وأفادت طهران بضربات جديدة طالت مدنًا عدّة، بينها بوشهر، حيث تقع محطة الطاقة النووية الوحيدة العاملة في البلاد. وتردّ طهران باستهداف حركة الملاحة البحرية عبر هرمز، وبقصف البحرين والكويت والأردن.
وفي البحرين، استهدفت طائرات مسيّرة إيرانية، الاثنين، أنظمة مدنية للملاحة الجوية، وفق السلطات التي كانت قد أعلنت قبيل ذلك اعتراض هجمات جوية. كما أعلن الجيش الكويتي أنه تصدّى لهجوم جديد بطائرات مسيّرة إيرانية. وأفاد الجيش الأردني، مساء الاثنين، بأن دفاعاته الجوّية أسقطت ثلاثة صواريخ مصدرها إيران كانت تستهدف المملكة، من دون وقوع إصابات أو أضرار مادية. وتحدّثت مصادر أمنية لـ "رويترز" عن إسقاط طائرة مسيّرة مفخّخة قرب قاعدة الحرير الجوّية في إقليم كردستان العراق، التي تضمّ قوات أميركية. وأعلن "الحرس الثوري" أن ناقلتي نفط تعرّضتا لانفجارات وتوقّفتا عن الإبحار بعد محاولتهما عبور ما وصفه بأنه مسار جنوبي غير آمن عبر هرمز.
وفيما يتخوّف نظام آيات الله من حراك شعبي داخلي جديد يهدف إلى إسقاطه، خصوصًا مع تردّي الأحوال المعيشية، قتل مسلّحون الشيخ محمد أنور ريجي، وهو إمام وخطيب سنّي في أحد مساجد بلدة ميرجاوه الحدودية في جنوب شرق إيران. وذكرت وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء أن محافظ ميرجاوه ندّد بالحادث ووصفه بأنه "هجوم إرهابي". وحضّ مسؤولون إيرانيون السكان على التزام الهدوء، محذّرين من أن الهجوم يهدف إلى زعزعة الأمن وإثارة الانقسامات الطائفية في سيستان وبلوشستان.
إلى ذلك، ندّد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أمس، بـ "عمل ترهيبي بالغ الخطورة من جانب أجهزة الأمن الإيرانية"، استهدف دبلوماسيَّيْن فرنسيين في طهران، مساء الأحد، موضحًا أن الدبلوماسيين "احتُجزا من دون أي مبرّر لساعات، واستُجوبَا، وتعرّض أحدهما لاعتداء"، قبل أن يُسمح لهما بالعودة إلى السفارة. وتوعّد بأن هذا الانتهاك "لن يمرّ من دون عواقب"، مؤكّدًا أنه أبلغ نظيره الإيراني عباس عراقجي بذلك.