رفيق خوري

حل "لبنان أولاً" ومشكلة "إيران أولاً"

3 دقائق للقراءة
التنفيذ المفترض لإتفاق الإطار يعني في نهاية المطاف التوصل إلى سلام

لا ضرورة للمقارنة بين لقاءات الرئيس دونالد ترامب مع الرئيس الإنتقالي السوري أحمد الشرع ولقائه المتأخر مع الرئيس اللبناني جوزاف عون. وليس هناك معيار واحد لأهمية أو نوعية المحادثات بين الرئيس الأميركي والرئيس الزائر. فما يشير إلى النجاح هو أن تصبح هموم الرئيس الضيف وبلده جزءاً من الإهتمامات الإستراتيجية لساكن البيت الأبيض. والحصيلة المعلنة لمحادثات عون في الخارجية مع الوزير ماركو روبيو وفي البيت الأبيض مع ترامب، هي تأكید الإلتزام الأميركي الثابت بتنفيذ "الإطار الثلاثي". وهذا أقصى الممكن في الظروف المعقدة الحالية، بحيث تضمن الرعاية الأميركية نجاح المناطق التجريبية وتوسعها بالتدريج حتى"إعادة الإنتشار الإسرائيلي خارج الأراضي اللبنانية" وبدء إعادة الإعمار وعودة النازحين وتكثيف المساعدات والإستثمارات، وبالطبع سحب السلاح من "حزب الله" وتفكيك البنية التحتية.

وهذا ما يريح الأكثرية الشعبية والرسمية اللبنانية، ويعطي لبنان مكانه ودوره على خارطة التحولات المتسارعة والنظام الأمني الإقليمي الجديد. وهذا، بالمقابل، ما يقلق إيران ويخيف "حزب الله". فالجمهورية الإسلامية مصرة على دور "الحزب" وسلاحه والحفاظ على ارتباطه العضوي بها وبالتالي الإستمرار في ربط لبنان بها من خلال القوة ليبقى جبهة أمامية لإيران على المتوسط. و"الحزب" الرافض للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، يرفض بالطبع نجاح المفاوضات بدعم أميركي، ويستمر في الرهان على مذكرة تفاهم "معلّقة" إيرانياً ومنسية أميركياً لكي تأتيه بانسحاب إسرائيلي كامل من دون قيد ولا شرط ومن دون أي مس بالسلاح.

ذلك أن الصراع هو بين "لبنان أولاً" وبين "إيران أولاً"، وبالتالي بين من يفكر في لبنان ومن يفكر في إيران. فالتنفيذ المفترض لإتفاق الإطار يعني في نهاية المطاف التوصل إلى سلام يسحب لبنان بعد سحب سوريا ومحاولات سحب العراق من المحور الإيراني. و"حزب الله" وبقية الأذرع المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري ليست مؤسسة لمرحلة سلام بعد حرب ومفاوضات بل لحرب دائمة في خدمة المشروع الإقليمي الإيراني. لكن اللعبة الكبيرة هي سلام الشرق الأوسط. ومن هنا إصرار "الحزب" على إسقاط المفاوضات والإتفاق، لأن ذلك يعني الحرب الدائمة مع إسرائيل وإبقاء لبنان في "جبهة المقاومة" التي يصر المرشد الأعلى مجتبى خامنئي في رسائله على اعتبارها نوعاً من توأم الجمهورية الإسلامية.

وكما قاد ربط لبنان بسوريا الى أزمة دائمة من دون أي أفق للحل، يقود ربطه بإيران إلى حرب دائمة مع إسرائيل وصراع دائم مع أمیرکا وتناقض مصالح وعلاقات مع العالم العربي. وليس أخطر على لبنان من الحرب سوى "التواطؤ الدبلوماسي" بين طهران وخصومها لترتيب هدنة، بحيث تصبح الدولة اللبنانية مجرد يافطة في الهواء. والوقت حان، وسط بروز الحسابات المذهبية بدل الحسابات الوطنية، لإدراك ان "الأمن الخاص" لا يحمي أمن طائفة واحدة، ولا بالطبع أمن بقية الطوائف والبلد. فلا حماية للوطن الا بالأمن الوطني. وليس من المعقول وضع لبنان في مأزقين: مأزق اذا جرى تنفيذ الإتفاق، ومأزق اذا لم يتم التنفيذ. ولا من المقبول ان يكون الخيار بين حرب داخلية او موت وطن في حال أللا حرب وأللا سلم واللا سيادة واللا حل للأزمات المالية والإقتصادية والإجتماعية الحادة، والأزمة الوطنية والسياسية الأشد حدة.

عام 1924 كتب المعلق الأميركي الشهير والترليبمان في كتاب "الرأي العام": "نحن لا نرى أولاً ونحدد ثانياً بل نحدد أولاً ونرى ثانياً". والمشكلة أن لبنان الذي بدأ يرى أولاً ويحدد ثانياً، بواجه قوى تريد له ألا يرى وألا يحدد. رفيق خوري