« الخيام لن تسقط. » سقطت.
"بنت جبيل لن تسقط."سقطت.
"علي الطاهر لن تسقط." سقطت.
وفي كل مرة، يبقى شيء واحد عصياً على السقوط: خطاب حزب الله. هذا ما قالته زميلة في مقدمة نشرتها الاخبارية.
خطاب لا تهزمه الوقائع، لأنه ببساطة لا يعترف بها. يستطيع أن يخسر موقعاً ويعلن الصمود، وأن يتراجع ويصف التراجع بأنه تكتيك، وأن تُدمّر منشآته فيتحدث عن المفاجآت، وأن يدخل الجيش الإسرائيلي إلى منطقة قيل للبنانيين إنها عصية على الاقتحام، ثم ينتقل النقاش فجأة إلى تفسير جديد للانتصار.
لكن ما جرى في مرتفعات علي الطاهر يستحق أكثر من بيان وشعار. يستحق جواباً واضحاً عن سؤال بسيط: ماذا جرى فعلاً تحت الأرض؟
إسرائيل أعلنت في الرابع من أيلول أنها فرضت سيطرة عملياتية على المرتفعات وأن الأنفاق أُخليت من مقاتلي حزب الله. وقال الجيش الإسرائيلي إن بعض المقاتلين قُتلوا وإن آخرين فروا. لكن ضابطاً لبنانياً قال لرويترز إن القوات الإسرائيلية سيطرت على المداخل الجنوبية وأصبحت قادرة على مراقبة المداخل الشمالية، وإن شبكة الأنفاق والمخازن معقدة وبعض أجزائها غير متصل ببعض، ولذلك بقي غير واضح مدى توغل القوات الإسرائيلية وما إذا كان لا يزال هناك مقاتلون في الداخل. والأهم أن رويترز قالت إنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من الوضع الكامل داخل المرتفعات.
وهنا تبدأ الأسئلة التي لا يريد خطاب «المقاومة» الإجابة عنها.
أين ذهب المقاتلون؟
طوال أسابيع، قُدمت علي الطاهر باعتبارها عقدة عسكرية شديدة التحصين. وتحدثت تقارير عن أنفاق ومراكز قيادة ومستودعات ومنشآت تسمح بالبقاء تحت الأرض لفترات طويلة. وفي حزيران، عندما أعلنت إسرائيل السيطرة على التلة، خرج حزب الله لينفي ذلك «بشكل قاطع»، مؤكداً أن مقاتليه لا يزالون فيها وفي جهوزية للتصدي لأي توغل.
حسناً.
إذا كانوا هناك، فأين هم اليوم؟
هل قُتلوا جميعاً؟
لا توجد حتى الآن أدلة مستقلة تثبت ذلك.
هل فروا؟
هذه هي الرواية الإسرائيلية بالنسبة إلى قسم منهم، لكنها لا تشرح حتى الآن بصورة موثقة كيف خرج الجميع ومتى ومن أي ممرات.
هل حصل تفاهم سمح بإخلائهم قبل الحسم العسكري؟
لا يوجد حتى الآن دليل علني كافٍ يسمح باعتبار ذلك حقيقة.
أم أن حجم القوة الموجودة في الأنفاق كان أصغر بكثير من الصورة التي رُسمت للرأي العام منذ البداية؟
هذا أيضاً احتمال لا يجوز إسقاطه.
وهناك احتمال آخر أكثر إحراجاً: أن تكون حرب الروايات حول «المحاصرين» و«القلعة» و«المواجهة المقبلة» قد ضخّمت أصلاً ما كان موجوداً تحت الأرض، بحيث تحولت علي الطاهر من موقع عسكري إلى أسطورة إعلامية قبل أن نعرف حقيقة حجم القوة الموجودة فيه.
هذه ليست أجوبة. إنها أسئلة.
لكن الصمت عنها هو المشكلة.
هل حصلت صفقة؟
السؤال عن الصفقة ليس خيالاً بالكامل، لكنه يحتاج إلى دليل.
فالملف لم يكن عسكرياً فقط. كانت هناك وساطات وضغوط واتصالات دولية مرتبطة بعلي الطاهر. كما أفادت تقارير بأن واشنطن كانت تعمل على صيغة تقضي بتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني ضمن مسار أوسع يتعلق بالسلاح، فيما رفض حزب الله هذا المسار.
وهنا تصبح المفارقة سياسية قبل أن تكون عسكرية.
إذا كان ممكناً إنهاء معركة علي الطاهر بتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فلماذا لم يحصل ذلك؟
لماذا يصبح تسليم الأرض للدولة «تنازلاً»، بينما يصبح فقدانها أمام الجيش الإسرائيلي قابلاً للتغليف بعبارات الصمود؟
هذه هي الفضيحة السياسية في قصة علي الطاهر.
المشكلة ليست أن موقعاً عسكرياً يمكن أن يسقط. في الحروب تسقط المواقع وتتقدم الجيوش وتتراجع. ولا يوجد جيش في العالم لا يخسر أرضاً أو معركة.
المشكلة هي الكذب على الناس بشأن معنى ما يحدث.
من الخيام إلى بنت جبيل
هذه ليست المرة الأولى.
المشكلة في خطاب حزب الله أنه بنى طوال سنوات علاقة غريبة مع الحقيقة: الحقيقة ليست ما يجري على الأرض، بل ما تقوله ماكينة الحزب عما يجري على الأرض.
الخيام لا تسقط.
ثم تسقط.
بنت جبيل لا تسقط.
ثم تسقط.
علي الطاهر خط أحمر.
ثم تصبح تحت «السيطرة العملياتية» الإسرائيلية بحسب إعلان إسرائيل، فيما تبقى التفاصيل الدقيقة لما جرى في باطنها موضع غموض.
وفي اليوم التالي يبدأ البحث عن تعريف جديد للسقوط.
ربما لم تكن السيطرة «كاملة».
ربما لم يكن الموقع «أساسياً».
ربما خرج المقاتلون «تكتيكياً».
ربما حققت المقاومة هدفها.
ربما أوقعت خسائر.
ربما، ربما، ربما.
لكن هناك شيئاً لا يحتاج إلى ربما: الجغرافيا لا تقرأ البيانات الحزبية.
الأرض إما أن تكون تحت سلطة الدولة اللبنانية، وإما تحت سيطرة حزب مسلح، وإما تحت الاحتلال.
ولا توجد استعارة بلاغية تستطيع تغيير الخريطة.
لماذا لم تُسلَّم للجيش؟
وهذا يعيدنا إلى السؤال الأخطر.
إذا كان حزب الله يعرف أن ميزان القوى لم يعد يسمح له بحماية الموقع، لماذا لم يسلّمه إلى الجيش اللبناني؟
أليس الجيش اللبناني أولى بعلي الطاهر من الجيش الإسرائيلي؟
أليست السيادة التي يتحدث عنها الحزب تعني، في أبسط تعريفاتها، أن تكون الأرض اللبنانية بيد المؤسسة العسكرية اللبنانية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فما الذي كان يمنع؟
أما إذا كانت الإجابة أن الموقع يحتوي أسراراً عسكرية ومنشآت وسلاحاً لا يريد الحزب تسليمها للدولة، فنكون أمام اعتراف بالمشكلة الأصلية: أن هناك دولة داخل الدولة، وجغرافيا عسكرية لا تعرف عنها الدولة شيئاً، وقراراً أمنياً لا تملكه المؤسسات الشرعية.
ثم عندما تُفقد هذه الجغرافيا، يُطلب من الدولة أن تتحمل النتائج.
هذه ليست مقاومة لدولة ضعيفة.
هذه إحدى أسباب ضعف الدولة.
المقاومة التي تحتاج إلى أسطورة
الأخطر على حزب الله اليوم ليس خسارة علي الطاهر بحد ذاتها.
الأخطر هو انهيار المسافة بين الصورة التي رسمها لنفسه والقدرة التي تظهر على الأرض.
لعقود، كان السلاح يُبرَّر بأنه يحمي الأرض لأن الدولة عاجزة.
لكن ماذا يحدث عندما يعجز السلاح نفسه عن حماية الأرض؟
كان يُقال إن الأنفاق تغير قواعد الحرب.
فماذا يعني أن تصل إسرائيل إلى مداخلها وتعلن السيطرة العملياتية عليها؟
وكان يُقال إن إسرائيل لا تستطيع البقاء في الأرض.
فماذا نقول عندما تصبح المعركة أساساً حول كيفية منعها من توسيع سيطرتها؟
السؤال لم يعد: هل حزب الله يمتلك صواريخ؟
بالطبع يمتلك قدرات عسكرية.
السؤال هو: هل ما زالت هذه القدرات تحقق الغاية التي استُخدمت لتبرير وجودها خارج الدولة؟
وهنا تصبح علي الطاهر رمزاً أكبر من تلة.
قولوا الحقيقة للناس
قد يظهر غداً دليل على أن مقاتلين خرجوا عبر ممر سري.
وقد تظهر معلومات عن تفاهم غير معلن.
وقد يتبين أن عدداً منهم قُتل.
وقد يتضح أن أعداد الموجودين داخل الأنفاق كانت أقل بكثير مما تردد.
كل ذلك ممكن.
ولهذا لا يجوز تحويل أي فرضية اليوم إلى حقيقة.
لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الرواية التي قُدمت للبنانيين عن الموقع باعتباره عقدة ستصمد أمام التقدم الإسرائيلي اصطدمت بنتيجة مختلفة، وأن الحزب مطالب بتفسير ما حدث بدلاً من الاحتماء بالصمت أو إنتاج رواية جديدة.
قولوا للناس الحقيقة.
كم مقاتلاً كان في علي الطاهر؟
كم منهم قُتل؟
كم خرج؟
كيف خرجوا؟
هل حصل تفاوض؟
هل حصل تفاهم؟
وهل كان ممكناً منذ البداية تجنيب المنطقة هذه النهاية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني؟
هذه الأسئلة ليست خدمة لإسرائيل. العكس تماماً.
من حق اللبناني أن يعرف لماذا تُحتل أرضه، ومن قرر القتال عليها، ومن رفض تسليمها إلى جيشه، وماذا كانت نتيجة ذلك القرار.
لقد دفع اللبنانيون أثماناً هائلة مقابل شعارات قيل لهم إنها ضمانة لحمايتهم.
واليوم لم يعد كافياً أن يُقال لهم: «ثقوا بالمقاومة».
الثقة تحتاج إلى حقيقة.
وعلي الطاهر كشفت مرة أخرى الهوة بين الحقيقة والخطاب.
الخيام سقطت.
بنت جبيل سقطت.
علي الطاهر سقطت.
وإذا كان هناك شيء ما زال صامداً حتى الآن، فهو ماكينة إنتاج الشعارات والتبريرات.
لكن حتى هذه لن تصمد إلى الأبد.
لأن المشكلة في الجغرافيا أنها لا تكذب.
يمكن للخطاب أن يعلن الانتصار ألف مرة، لكن الخريطة تقول في النهاية من بقي على الأرض ومن غادرها.
وربما تكون تلك هي الخلاصة الأكثر قسوة في علي الطاهر:
لم يسقط «الحصن» وحده.
سقطت معه، مرة أخرى، أسطورة أن الشعار قادر على تغيير نتيجة المعركة.