المحامي محمد آصف ناصر

قمة المقاومة والتحرير

5 دقائق للقراءة

من يطالع بدقة مجريات قمّة واشنطن ويقرأ البيانات الرسمية ويستمع إلى خطاب الرئيسين يستطيع أن يعي كيف تعامل العقل اللبناني مع التحديات الكبرى، وكيف عبّرت الشرعية اللبنانية عن رؤية جبران خليل جبران، فكانت الروح الجبرانية هي الباعث الحقيقي لكل ما شاهدناه.

الحرب والسلطة.

يقول جورج كليمنصو "الحرب شأن خطير لدرجة لا يمكن إسنادها للعسكريين" La guerre ! C’est une chose trop grave pour la confier à des militaires. وهو بذلك يقول أن قرار الحرب والسلم لا يمكن تركه بتصرف المقاتل الذي لا يستطيع أن يرى خارج فوهة بندقيته، وهنا جاءت الشرعية اللبنانية لتستعمل كافة الأوراق غير العسكرية، بعد أن أثبتت العسكرة الهوجاء انتفاء جدواها، لتحقق الشرعية البنانية ما عجز عنه السلاح غير الشرعي ولتخرج لبنان من عزلة دولية وترفع عنه عقوبات اقتصادية تسببت بها سياسة حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال. فرضت الشرعية اللبنانية إيقاعًا سياديًا لبنانيا على القمة، فتمكن فخامة رئيس الجمهورية من إخراج لبنان والمنطقة من عنق زجاجة التجاذبات الإقليمية واستطاع بدماثة ودبلوماسية منقطعة النظير أن يقول "لا" حيث لا يجرؤ الآخرون.

البطولة ليس فقط أن تقول لا، بل البطولة أن تضحي لتحقق مصلحة شعبك لا أن تضحي بشعبك فداء لـ"لاءات" رومنطيقية، فكانت نتيجة القمة واضحة دون مواربة:

1- حصرية السلاح بيد السلطة الشرعية والقوات المسلحة النظامية.

2- حصرية التحرير بيد السلطات الشرعية.

3- حصرية تطبيق القانون بيد السلطات الشرعية دون حاجة لتدخل أي دولة إقليمية.

مع هذه الحصريات الثلاث، ومع تعهد أميركي واضح بفرض انسحاب إسرائيلي، يكون لزاما على القوى الخارجة على الشرعية الانصياع لإرادة الشرعية اللبنانية والتعاون معها في حفظ سيادة لبنان، وما زالت الشرعية اللبنانية ممثلة بالسلطات الدستورية مجتمعة تمارس الخطاب الجامع والصبر بالرغم من تحديات الميليشيا الخامنئية الأخمينية وتهافت خطاب ذبابها الالكتروني واعلامها الرومنطيقي (إن لم نستعمل مصطلحا آخر).

.

في المذكرة رقم 11/2026 تاريخ 15/06/2026، أعاد دولة رئيس الحكومة عيد المقاومة والتحرير إلى الاجندة الرسمية اللبنانية بعد 21 عاما من إلغائه، وكان في ذلك رمزية متعددة المستويات أرقاها كان بالتمسك باستقلال لبنان ووحدة شعبه وسيادة القانون على كل أراضيه.

ليست المذكرة عملا إداريا أو يوم تعطيل إضافي، وليست بالتأكيد تفريغا للعيد من مضمونه كما تحب فرقة إسماعيل النجار لفنون الردح والشتائم أن تقول، فهذا العيد الذي ألغي في العام 2005 وتعاقبت على الغائه حكومات قيل عنها أنها حكومات حزب الله، جاءت حكومة عهد الرئيس عون، وهي حكومة جبرانية الروح، لتعيد هذا العيد إلى إطاره الرسمي، هذا ليس تفصيل يا شيخ نعيم: فالعيد الذي ضحيتم به لتصنعوا شرعية وجدانية غير رسمية، جاءت الحكومة اللبنانية لتتبنى هذه الشرعية وتعتمدها في أجندتها الرسمية ولتحقق الإنجاز حيث عجزتم، ولتعيد بناء ما دمرتم، ولتحول دون تدهور الأوضاع ولتمنع الفوضى التي بها أنتم وكراكيبكم تحلمون.

لكم لبنانكم ولنا لبناننا.

لبنانكم لبنان المحاصصة والزبائنية مات مع انفجار المرفأ، بعد أن توقف نبضه مع انهيار النظام المصرفي، وأصيب بالشلل الدماغي مع تدخلكم في مؤسساته التربوية وتغلغلكم في مؤسسات الدولة كما يتغلغل البق.

لبنانكم مات مع إصراركم على دخول حروب الاسناد العبثية ومخالفة القانون وإصراركم على تحدي الشرعية وغزلكم للسلطة السورية الجديدة و"الأخ أحمد الشرع". فـ"لبنانكم ينفصل آنًا عن سوريا ويتصل بها آونة، ثم يحتال على طرفيه ليكون بين معقودٍ ومحلول، أما لبناني فلا يتصل ولا ينفصل ولا يتفوق ولا يتصاغر".‏

لبنانكم مات ولن يعود، أما لبناننا فلا يموت فهو السر الذي تهمس به الهضاب الأزلية وروح البقاء في الإشراقات المسارية، لبناننا الذي أبناؤه:

"هم الذين يتغلبون على محيطهم أينما حلوا، ويجتذبون القلوب إليهم أينما وُجدوا.

وهم الذين يولدون في الأكواخ، ويموتون في قصور العلم. هؤلاء هم أبناء لبنان. هؤلاء هم السُّرُج التي لا تطفيها الأرياح، والملح الذي لا تفسده الدهور.‏ هؤلاء هم السائرون بأقدامٍ ثابتة نحو الحقيقة والجمال والكمال.‏

وماذا عسى أن يبقى من لبنانكم وأبناء لبنانكم بعد مائة سنة؟ أخبروني، فإذا تتركون للغد سوى الدعوى والتلفيق والبلادة؟ هل تحسبون أن الزمن يحفظ في ذاكرته مظاهر الخداع والمُداهنة والتدليس؟

أتظنون أن الأثير يُخَزِّن في جيوبه أشباح الموت وأنفاس القبور؟ أتتوهمون أن الحياة تستر جسدها العاري بالخرق البالية؟

أقول لكم والحق شاهدٌ عليَّ: إن نصبة الزيتون التي يغرسها القرويُّ في سفح لبنان لأبقى من جميع أعمالكم ومآتيكم. والمحراث الخشبي الذي تجرُّهُ العجول في مُنعطفات لبنان لأشرف وأنبل من كل أمانيكم ومطامحكم.

أقول لكم وضمير الوجود صاغٍ إليَّ: إن أغنية جامعة البقول بين هِضَاب لبنان لأطول عمرًا من كلِّ ما يقوله أوجَه وأضخم ثَرثار بينكم.

أقول لكم إنكم لستُم على شيء، ولو كنتم تعلمون أنكم لستم على شيءٍ لتحوَّل اشمئزازي منكم إلى شكلٍ من العطف والحنان، ولكنكم لا تعلمون.

لكم لبنانكم ولي لبناني.

لكم لبنانكم وأبناء لبنانكم، فاقتنعوا به وبهم إن استطعتم الاقتناع بالفقاقيع الفارغة.

أما أنا فمقتنع بلبناني وأبنائه، وفي اقتناعي عذوبة وسكينة وطمأنينة."

لبناني هو الذي اتنفس عبقه في تجوالي مع آدم وعمران من القاع إلى بعلبك، والبردوني، وارز بشري وأرز تنورين وعكار وروح الاصالة في طرابلس ورحاب الكرم والقداسة في حريصا وجونية. لبناني هو عبق التاريخ وإشراق المستقبل وأزلية الحقيقة، أرزةٌ شامخةٌ باقيةٌ وقفًا لله لا تقوى عليه أبواب الجحيم أما لبنانكم فوقف لكل جبّار علا في الأرض وهو من الزائلين.