لم يكن اللقاء الذي جمع الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب مجرّد محطّة بروتوكوليّة في سياق العلاقات اللبنانيّة - الأميركيّة، بل شكّل حدثًا سياسيًا حمل رسائل تتجاوز حدود الدبلوماسيّة التقليديّة. فالعبارات التي أطلقها ترامب بحقّ الرئيس اللبناني، عندما اعتبر أنّه قد يصبح من أبرز قادة الشرق الأوسط إذا نجح في تحقيق ما عجزت عنه محاولات متعاقبة طوال عقود، لم تكن مجرّد إشادة شخصيّة، بل تعكس رهانًا أميركيًا على مرحلة جديدة عنوانها إستعادة الدولة اللبنانيّة لدورها وترسيخ مؤسّساتها.
هذا التوصيف يضع الرئيس عون أمام مسؤوليّة إستثنائيّة، إذ إنّ النجاح الذي تحدّث عنه ترامب لا يُقاس بحجم الدعم الدولي أو عدد اللقاءات الخارجيّة، بل بقدرة الدولة اللبنانيّة على فرض حضورها، وتعزيز مؤسّساتها، وإطلاق مسار إصلاحي يعيد ثقة اللبنانيّين والعالم بلبنان.
وخلال اللقاء، أكّد ترامب أنّ الاتّفاق القائم مع لبنان بدأ يدخل مرحلة التنفيذ، متحدّثًا عن إعادة إنتشار في بعض المناطق، ومشيرًا إلى وجود خطط عمليّة ستنفّذها الولايات المتحدة بالتعاون مع أطراف أخرى لدعم المرحلة المقبلة. كما شدّد على أنّ تعزيز قدرات الجيش اللبناني سيكون أحد العناوين الأساسيّة للتعاون، في رسالة تعكس إستمرار الرهان الأميركي على المؤسّسة العسكريّة باعتبارها الضامن الأول للاستقرار.
في المقابل، شدّد الرئيس جوزاف عون على أنّ الجيش اللبناني هو العمود الفقري للاستقرار الوطني، وأنّ الدولة متمسّكة بدعم مؤسّساتها الشرعيّة، طالبًا من الإدارة الأميركيّة مواصلة دعم الجيش والدولة في هذه المرحلة الدقيقة.
غير أنّ الرهان الدولي على نجاح العهد لن يكون معزولا عن الواقع الداخلي اللبناني، حيث لا تزال مواقف بعض القوى السياسيّة تعكس تمسّكها بمعادلات تتجاوز سلطة الدولة في ملفّات تتّصل بالعلاقات الخارجيّة والسيادة وقرار الحرب والسلم. وفي الوقت الذي حملت فيه واشنطن رسائل واضحة بدعم الجيش اللبناني وتعزيز مؤسّسات الدولة، برزت في الداخل إشارات تصعيديّة أوحت بأنّ أي مسار يعيد الإعتبار للدولة قد يواجه ضغوطًا سياسيّة تهدف الى فرض وقائع مغايرة.
إنّ الرسائل الصادرة من واشنطن بدت واضحة: المجتمع الدولي مستعد لدعم لبنان عندما تكون الدولة هي المرجعيّة، والجيش هو الضّامن، والمؤسّسات هي صاحبة القرار. أمّا في الداخل، فإنّ استمرار السجالات السياسية وارتفاع نبرة الخطاب التصعيدي الطائفي حول بعض الملفّات الحسّاسة يعكس حجم التحدّي الذي يواجه السلطة في إدارة التوازنات الداخليّة، والحفاظ في الوقت نفسه على شبكة علاقات لبنان الخارجية.
وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة. فالرئيس عون لا يواجه اختبارًا دبلوماسيًا فحسب، بل اختبارًا يتعلّق بقدرته على ترجمة هذا الدعم السياسي إلى خطوات عمليّة تعزّز حضور الدولة، وتفتح الباب أمام إصلاحات طال إنتظارها، وتعيد الاعتبار لمفهوم السيادة من خلال مؤسّسات الدولة وحدها.
كما أن الدعم الأميركي، مهما بلغ حجمه، لن يكون كافيًا إذا لم يترافق مع إرادة داخليّة تضع المصلحة الوطنيّة فوق الحسابات الفئويّة، وتمنح المؤسّسات الشرعيّة القدرة على أداء دورها بحرّية وفعاليّة. فالتجارب السابقة أثبتت أن أيّ مبادرة خارجيّة لا يمكن أن تحقق أهدافها في غياب قرار داخلي موحّد وإدارة سياسيّة قادرة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
اليوم، يقف لبنان أمام فرصة قد لا تتكرّر بسهولة. فالإشادة التي حظي بها الرئيس عون في واشنطن تفتح نافذة سياسيّة جديدة، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف التوقّعات. فالنجاح لن يُقاس بعدد المواقف الداعمة، بل بمدى قدرة الدولة على استعادة ثقة مواطنيها أولًا، وثقة المجتمع الدولي ثانيًا، عبر ترسيخ سيادة القانون، وتعزيز دور المؤسسات، وحماية الاستقرار.
قد يكون لقاء البيت الأبيض بداية مرحلة مختلفة في العلاقات اللبنانيّة - الأميركيّة، لكنّه قبل كل شيء يشكّل بداية إمتحان حقيقي للعهد الجديد. فإما أن ينجح لبنان في استثمار هذا الزخم الدولي لبناء دولة قوية وقادرة، وإمّا أن تبقى الفرص تضيع تحت وطأة الانقسامات والصراعات الداخليّة. وبين الرهان الأميركي والتحدّيات المحليّة، يبقى السؤال الأساس: هل ينجح العهد في تحويل الدعم الخارجي إلى مشروع دولة، أم أنّ مشروع "حزب الملالي" سيُبقي لبنان أسير أزماته المفتوحة؟