لم يكن لقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل بدا أشبه بإعلان سياسي عن دخول لبنان مرحلة جديدة، عنوانها استعادة الدولة وربط أي دعم عربي ودولي باستعادة السيادة والإصلاح الحقيقي.
لكن وسط كل الرسائل التي خرجت من واشنطن، برز سؤال سياسي يستحق التوقف عنده: كيف حضر اسم رئيس مجلس النواب نبيه بري في لقاء البيت الأبيض؟ وهل كانت ورقة التعهد بوضع ملف سلاح “حزب الله” على سكة التنفيذ هي التي فتحت له باب الحضور في هذا اللقاء؟
لا أحد يملك جواباً قاطعاً، لكن مجرد طرح السؤال يعكس حجم التحول الذي تشهده المنطقة. فالعالم لم يعد يناقش كيفية التعايش مع سلاح “حزب الله”، بل كيفية إنهاء هذه المرحلة وإعادة احتكار الدولة اللبنانية لقرارها الأمني والعسكري.
إذا كان نبيه بري قد حضر في النقاش الأميركي، فلن يكون ذلك بسبب دوره في الماضي، بل بسبب ما قد يكون قادراً على فعله في المستقبل. أما الماضي، فلا يحتاج إلى كثير من المراجعة.
فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، لم يكن بري مجرد حليف لـ”حزب الله”، بل كان أحد أبرز مهندسي المنظومة التي أوصلت لبنان إلى الانهيار. فمنذ اتفاق الطائف، تحولت رئاسة مجلس النواب إلى أحد أعمدة النظام الذي شرعن ازدواجية السلطة، وغضّ الطرف عن تمدد السلاح خارج الشرعية، وربط مؤسسات الدولة بتوازنات فرضها الحزب بقوة الأمر الواقع.
وفي كثير من المحطات، كان دور بري أخطر من دور “حزب الله” نفسه. فالحزب كان يفرض الوقائع بقوة السلاح، بينما كان بري يؤمن لها الغطاء الدستوري والسياسي داخل المؤسسات، ويعطل أي محاولة جدية لإعادة التوازن إلى النظام أو تطبيق الدستور بحذافيره.
لقد شارك في إدارة السلطة التي أوصلت لبنان إلى الإفلاس، وساهم في تكريس المحاصصة، وعطل الإصلاحات، وأدار شراكة سياسية كاملة مع المشروع الذي صادر قرار الدولة وأدخل لبنان في عزلة عربية ودولية غير مسبوقة.
لهذا، فإن أي محاولة لتقديم بري اليوم كرجل تسويات أو كجزء من مشروع الإنقاذ تتناقض مع الوقائع السياسية التي عاشها اللبنانيون طوال العقود الماضية.
لكن السياسة لا تُبنى على الأمنيات، بل على موازين القوى.
فالسلطة الجديدة تدرك أن الانتقال إلى مرحلة مختلفة يحتاج إلى إدارة دقيقة للواقع القائم، وليس إلى مواجهة مفتوحة مع جميع أطراف المنظومة دفعة واحدة. ومن هنا يمكن فهم استمرار التواصل مع بري بصفته رئيساً للمجلس النيابي، لا باعتباره شريكاً في مشروع الدولة، بل باعتباره جزءاً من واقع سياسي لا يمكن تجاوزه في المرحلة الانتقالية.
غير أن الفرق كبير بين التواصل السياسي ومنح براءة سياسية.
فالمرحلة الجديدة لا يمكن أن تقوم على إعادة تدوير المنظومة نفسها التي أوصلت البلاد إلى الانهيار، بل على تفكيكها تدريجياً وإعادة بناء المؤسسات وفق الدستور واتفاق الطائف.
من هنا، يكتسب لقاء عون – ترامب أهمية استثنائية. فالرسالة الأميركية كانت واضحة: الولايات المتحدة مستعدة لدعم لبنان سياسياً واقتصادياً وأمنياً، لكنها لم تعد مستعدة لتمويل دولة لا تحتكر قرارها، ولا لإنقاذ اقتصاد تهيمن عليه قوة عسكرية خارج المؤسسات.
بمعنى آخر، فإن أي دعم دولي لن يكون منفصلاً عن مسار واضح يعيد للدولة اللبنانية وحدها حق امتلاك السلاح واتخاذ قرار الحرب والسلم.
وهنا يعود السؤال إلى الواجهة: هل حمل نبيه بري إلى هذه المرحلة التزاماً بالمساعدة في تنفيذ هذا المسار؟ وهل أصبحت ورقة تسليم سلاح “حزب الله” أو وضعه على سكة التنفيذ هي الثمن السياسي لدخول لبنان مرحلة الدعم الدولي؟
قد يكون هذا السؤال هو الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة.
لكن حتى لو وُجدت مثل هذه الورقة، فإن قيمتها لن تكون في توقيعها، ولا في مضمونها، بل في تنفيذها.
فلبنان لم يعد يعاني نقصاً في التعهدات. منذ اتفاق الطائف، امتلأت الحياة السياسية بالوعود والبيانات والحوارات والالتزامات، بينما بقي السلاح خارج الدولة، وتراجعت المؤسسات، وانهار الاقتصاد، وخسر اللبنانيون ثقتهم بكل الطبقة السياسية.
لهذا، فإن العبرة اليوم ليست بما قيل في البيت الأبيض، ولا بما يُتداول في الكواليس، بل بما سيحدث على الأرض خلال الأشهر المقبلة.
هل يبدأ تنفيذ فعلي لحصرية السلاح بيد الدولة؟
هل يحصل الجيش اللبناني على الغطاء السياسي الكامل لبسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية؟
هل تتوقف ازدواجية القرار الأمني والعسكري؟
وهل يقتنع من حكم لبنان طوال العقود الماضية بأن زمن إدارة الدولة لمصلحة السلاح قد انتهى؟
لقد منح لقاء واشنطن الرئيس جوزاف عون فرصة سياسية كبيرة، لكنه وضعه أيضاً أمام اختبار تاريخي. فالنجاح لن يقاس بعدد اللقاءات الدولية ولا بحجم بيانات الدعم، بل بقدرته على تحويل هذا الزخم إلى خطوات تنفيذية تعيد بناء الدولة وتستعيد ثقة اللبنانيين والعالم.
أما نبيه بري، فإن المرحلة المقبلة ستكون الامتحان الأخير في مسيرته السياسية. فإذا اختار أن يسهّل الانتقال إلى دولة تحتكر وحدها السلاح والقرار، فسيكون ذلك إقراراً بأن المرحلة التي شارك في بنائها انتهت. أما إذا بقيت المواقف في إطار المناورة وكسب الوقت، فإن المجتمع الدولي، كما اللبنانيين، لن يحاكم النيات، بل النتائج.
لقد فتح لقاء عون – ترامب نافذة للبنان، لكن عبور هذه النافذة لن يكون بالتصريحات ولا بالتعهدات، بل بالأفعال.
وفي السياسة، كما في بناء الدول، تبقى الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن الالتفاف عليها: العبرة بالتنفيذ.