زيارة عون إلى واشنطن جعلت الدولة اللبنانية الممرّ الوحيد للخروج من الحرب التي أمرت بها إيران ونفّذها حزب الله.
صباح الثلاثاء، دخل جنود الجيش اللبناني زوطر الغربية خلف وحدة إسرائيلية كانت تنسحب منها، في أول عملية تسليم ضمن خطة المناطق التجريبية. وبعد ساعات، دخل الرئيس جوزف عون المكتب البيضاوي، ليكون أول رئيس لبناني يستقبله البيت الأبيض منذ عام 2009. ضعوا الصورتين في إطار واحد، فهما تختصران الحجة كلها: الدولة دخلت أولاً، في الجنوب كما في واشنطن، فيما بقي كل من نازعها حق تقرير مستقبل لبنان خارج المشهد. وصل عون حاملاً اقتراحاً لبنانياً مكتوباً لتفكيك ترسانة حزب الله، في سابقة هي الأولى من نوعها: ملف السلاح وُضع على مكتب أميركي بوصفه خطة لبنانية، لا مطلباً خارجياً مفروضاً على بيروت، كما يصوره محور الممانعة. وعاد مع رفع الحظر عن عودة شركات الطيران الأميركية إلى بيروت، ومع إشادة علنية من وزير الخارجية الأميركي بمسعى لبنان إلى استعادة سيادته، والأهم، مع قاعدة اتصال تساوي أكثر من أي بيان مشترك: لن يتحدث ترامب إلى حزب الله إلا إذا طلب منه عون ذلك. من الآن فصاعداً، كل قناة تؤدي إلى الحزب تمرّ عبر بعبدا.
والرياض تحرّكت ضمن المعادلة نفسها. اتصل ولي العهد بالرئيس جوزاف عون يوم الأحد، وأكد دعم المملكة للبنان في مختلف أولوياته، ووجّه إليه دعوة لزيارة السعودية، فيما تقف مليارات الإعمار خلف بوابة التقدّم في نزع السلاح. كل القنوات باتت تلتقي عند عنوان واحد، وقد حرص الرئيس على أن يكون هذا العنوان لبنانياً. يجب فهم ما جعل ذلك ممكناً، لأن طهران ستمضي الأيام والأسابيع المقبلة في تزوير الرواية. المذكرة التي وقّعتها واشنطن وإيران بالأحرف الأولى في منتصف حزيران نصّت، في بندها الأول، على وقف العمليات العسكرية في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. كان ذلك يعني انسحاباً إسرائيلياً يأتي عبر صفقة إيرانية، من دون ربطه بنزع سلاح حزب الله. ذلك البند كان مخرج النجاة للحزب، فسارع حزب الله والرئيس نبيه بري إلى التشبث به. لكن إيران عادت إلى استهداف السفن التجارية في مضيق هرمز، فنَعى ماركو روبيو المذكرة بالعبارة التي استحقتها: الاتفاق الذي يجري انتهاكه لم يعد اتفاقاً حياً.
توقّفوا عند هذا التسلسل. احتفظت إيران بلبنان ورقةً في يدها لأكثر من أربعين عاماً، وحين حانت لحظة استخدامها لإنقاذ ذراعها، أحرقت الطاولة كلها من أجل الاحتفاظ بحق جباية المرور في ممرّ مائي. نظام أطلق النار على متظاهريه وقتل منهم المئات عام 2019، لم يكن مستعداً يوماً لاحترام توقيع يكلّفه جزءاً من نفوذه. وكل لبناني بنى مسيرته السياسية على ضمانات إيران يمسك اليوم بورقة فقدت قيمتها. أما جواب حزب الله، فهو أن الإطار المطروح يشكّل استسلاماً. لكن قبل أخذ هذا الوصف بجدية، فلننظر إلى سجلّ قائله.
في الثاني من آذار، وبعد ثمانٍ وأربعين ساعة على بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، فتح الحزب النار على إسرائيل ثأراً لمقتل المرشد الأعلى. لم تأمره أي مؤسسة لبنانية بذلك، ولم تكن للبنان أي مصلحة تقتضيه. ومع ذلك، استورد الحزب حرباً قتلت آلاف اللبنانيين وشرّدت، في ذروتها، أكثر من مليون منهم. جاء القرار منسجماً مع طبيعة الحزب بوصفه امتيازاً عسكرياً إيرانياً. قيادته نفسها أعلنت، على الملأ، أن موازنته ورواتب عناصره وصواريخه تأتي من إيران. وفي أيار 2008، وُجّهت تلك الأسلحة المموّلة إيرانياً إلى بيروت الغربية، ضد اللبنانيين الذين تزعم أنها وُجدت لحمايتهم. ومنذ عام 2012، نُقلت إلى سوريا لحماية عرش نظام آخر. كما أدانت المحكمة الخاصة بلبنان سليم عياش، العضو في حزب الله، في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا يزال الحزب يرفض تسليمه. حين تصف منظمة بهذا السجل، بأن السيادة هي استسلام، فهي تشبه مديناً يتهم المدقّق المالي بالسرقة. وراقبوا الآن ما يفعله الحزب، لا ما يقوله. الضربات الأميركية على إيران مستمرة منذ عشر ليالٍ متتالية، ومع ذلك فإن التنظيم الذي احتاج إلى ثمان وأربعين ساعة فقط لفتح حرب من أجل ذكرى خامنئي، لم يطلق رصاصة واحدة دفاعاً عن خليفته، هذا إذا كانت الخلافة نفسها قد استقرّت على اسم. فواشنطن تقول إنها لا تعرف حتى الآن من يمسك القرار الفعلي في طهران. منصات الصواريخ تلتزم الصمت فيما يدخل الجيش اللبناني القرى. نعيم قاسم يصف الإطار بأنه استسلام، بينما ترسانته تنفّذه عملياً.
الخلاصة تستحق أن تُحفَر في الذاكرة: شجاعة الحزب مستأجرة، وضبط ناره يصدر بأمر عمليات، وفي الحالتين لم يكن لبنان هو من يحدد الثمن أو القرار. حين كانت طهران تدفع، كان اللبنانيون يموتون. واليوم، بعدما عجزت عن الدفع، انكمشت "المقاومة" إلى بيان صحافي. يبقى الاعتراض الجدي المتصل بإسرائيل: لا جدول زمني واضح بعد، وحديث إسرائيلي عن حزام أمني، وطلقات تحذيرية سُجّلت خلال أول عملية تسليم. لكن أخذ هذا الاعتراض بجدية يقود إلى تسريع المسار، لا إلى التراجع عنه. أبلغ الرئيس جوزاف عون ترامب أن الانسحاب الكامل ضرورة لا مساومة عليها. والإطار الحالي هو الأداة الوحيدة الموجودة التي تُلزم القوات الإسرائيلية بالتحرك والانسحاب. أما مسار المذكرة الإيرانية فقد صار رماداً، فيما يعني خيار الجمود بقاء الاحتلال والترسانة معاً إلى أجل غير مسمّى. كل منطقة يثبت الجيش سيطرته عليها تنتزع من إسرائيل ذريعة، ومن حزب الله قرية. والطريق الأسرع لخروج الجيش الإسرائيلي من لبنان يمرّ عبر نزع سلاح حزب الله. وهذا يعني أن كل أسبوع يتمسّك فيه الحزب بصواريخ إيران هو أسبوع جديد يشارك فيه في صناعة الاحتلال الذي يدّعي مقاومته. دعم هذا المسار ليس شعاراً، بل برنامج عمل واضح. المطلوب تحديد الدفعة الثانية من المناطق وتسميتها ووضع جدولها الزمني خلال ثلاثين يوماً، كي يتحول الإنجاز إلى مسار متراكم، وتصبح واشنطن ملزمة في المقابل بساعة الانسحاب الإسرائيلية. والمطلوب أن يُقال لأهل الجنوب، بصراحة، ما الذي تقدّمه الدولة ولا يستطيع الحزب تقديمه: عودة آمنة، وإعمار تموّله المليارات المنتظرة في الرياض، وبيوت تُبنى لتُسكَن، لا عقارات تُحتجز منصاتٍ للصواريخ. توقّع ترامب أن يلتحق بري بالمسار حين تصبح نتائجه مرئية. إذاً، اجعلوا التقدّم واقعاً لا يمكن إنكاره، وعندها لن يبقى أمام رئيس المجلس إلا خفض ثمن موافقته.
على مدى نصف قرن، كانت السيادة اللبنانية مؤجّرة: أولاً لـ"ضيف فلسطيني" مسلّح بموجب اتفاق القاهرة، ثم لمشروع إيراني ورث عقد الإيجار ورفع بدله دماً. ذهب عون إلى واشنطن وفعل ما عجز عنه كل من سكن السلطة تحت سقف تلك الوصاية: أعاد اسم لبنان إلى الباب. إيران أحرقت البديل بيديها، وبنادق حزب الله صمتت في اللحظة التي عجز فيها النظام الإيراني عن تمويل ضجيجها. لم يبقَ في هذا البلد سوى عنوان واحد قائم، وللمرة الأولى منذ عام 1969، هو عنوان لبناني. فليَبقَ كذلك: لائحة القرى التالية مكتوبة قبل نهاية آب، والجيش اللبناني يدخلها أولاً.