المحرر الاقتصادي

من النفط إلى الرحلات الجوية وصولاً الى صندوق النقد...

أربعة أبواب تفتحها واشنطن للاقتصاد اللبناني

4 دقائق للقراءة
عودة الطيران الاميركي الى بيروت

لم يكن لافتاً في لقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحديث عن المساعدات المالية المباشرة، بقدر ما كان مهماً تركيز عون على دعوة الولايات المتحدة إلى لعب دور اقتصادي أكبر في لبنان. فالمرحلة التي يمر بها البلد لم تعد تحتاج إلى منح محدودة أو مساعدات إنسانية، بل إلى شراكة قادرة على تحريك عجلة الاستثمار وإعادة دمج الاقتصاد اللبناني في الأسواق العالمية.

وفي حال نجحت الاتصالات السياسية بين البلدين، يمكن رسم أربعة مسارات رئيسية للتعاون الاقتصادي، لكل منها جذور تعود إلى عقود، لكنها قد تدخل اليوم مرحلة مختلفة.


النفط والغاز

أول هذه المسارات يتمثل في قطاع النفط والغاز. منذ إقرار قانون الموارد البترولية البحرية عام 2010، ثم إطلاق أولى دورات التراخيص بعد سنوات، بقي الحضور الأميركي في القطاع محدوداً، فيما احتلت الشركات الأوروبية الواجهة. إلا أن واشنطن لعبت الدور الحاسم عام 2022 عبر وساطتها التي أفضت إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وهو الاتفاق الذي أزال أكبر عقبة سياسية أمام التنقيب في المياه اللبنانية. وقد تجد شركات الطاقة الأميركية نفسها أمام فرصة للدخول إلى السوق اللبنانية، سواء في أعمال التنقيب أو الخدمات النفطية أو تطوير البنية التحتية للغاز، مستفيدة من الدعم السياسي الذي تستطيع الإدارة الأميركية توفيره للمستثمرين.


عودة الطيران المباشر

الملف الثاني لا يقل أهمية، ويتمثل في عودة الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة بعد أكثر من أربعة عقود على توقفها إثر حادثة خطف طائرة TWA عام 1985. فالقرار، إذا استكملت متطلباته الأمنية والتقنية، يتجاوز كونه خطوة في قطاع النقل، ليشكل مؤشراً إلى استعادة جزء من الثقة الدولية بلبنان. كما أنه يختصر المسافات أمام عشرات آلاف اللبنانيين المقيمين في الولايات المتحدة، ويشجع رجال الأعمال والسياح والمستثمرين على زيارة لبنان، ويمنح قطاعات السياحة والخدمات والمؤتمرات دفعة يحتاجها الاقتصاد بشدة.


العلاقات التجارية

أما التجارة الثنائية، فرغم متانة العلاقات السياسية، بقيت دون مستوى الإمكانات المتاحة. فالولايات المتحدة تمثل سوقاً مهمة للصادرات اللبنانية، خصوصاً المجوهرات والمنتجات الغذائية، فيما يستورد لبنان منها المعدات الصناعية والطبية والتكنولوجية. لكن الانهيار المالي منذ عام 2019، وتراجع القدرة الإنتاجية، حدّا من نمو المبادلات التجارية. وإذا نجح لبنان في استعادة الاستقرار المالي، يمكن للولايات المتحدة أن تتحول إلى شريك أساسي في دعم الصناعات اللبنانية، وتشجيع الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي، مستفيدة أيضاً من شبكة رجال الأعمال اللبنانيين الواسعة في الولايات المتحدة.


صندوق النقد

يبقى الملف الأكثر حساسية هو صندوق النقد الدولي. فمنذ بدء المفاوضات مع الصندوق عام 2020، تعثرت جميع المحاولات بسبب الخلافات الداخلية وتأخر الإصلاحات المطلوبة. صحيح أن الولايات المتحدة، بصفتها أكبر مساهم في الصندوق، لا تستطيع فرض اتفاق يتجاوز المعايير التقنية، لكنها تملك تأثيراً سياسياً واضحاً في توجيه المناقشات داخل مجلس الإدارة، كما تستطيع الدفع نحو مرونة أكبر في آليات التنفيذ إذا لمست جدية لبنانية في الإصلاح.

لا شك في أن واشنطن تمتلك ثلاثة أنواع من النفوذ يمكن ترجمتها على المستوى الاقتصادي:

- نفوذ مباشر عبر الشركات الأميركية والاستثمارات والطيران.

- نفوذ غير مباشر عبر صندوق النقد والبنك الدولي والمؤسسات المالية.

- نفوذ سياسي يمنح المستثمرين ثقة أكبر بالدخول إلى لبنان.

في المحصلة، سيتحدّد مستقبل العلاقات الاقتصادية اللبنانية – الأميركية بقدرة لبنان على استعادة ثقة المستثمرين والدول المانحة. الرئيس جوزاف عون فتح الأبواب في الولايات المتحدة الأميركية، وواشنطن تستطيع أن تفتح الأبواب أمام الاستثمار والتمويل، لكنها لن تعبرها نيابة عن اللبنانيين. والإصلاح، والسيادة المكتملة، هما الشرطان الأساسيان لأي شراكة اقتصادية لبنانية-أميركية مستدامة.